مداد القلم

رمضان وغض البصر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فالحمد لله الذي مدَّ في الأعمار وبلّغنا شهر رمضان، ونسأله العون والتوفيق لصالح العمل.

عبادَ الله، فرضَ اللهُ الصّوم وذكر علّته: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}فهذه العبادة التي نتلبس بها (الصيام) لها صورة ولها حقيقة؛ صورة الصيام: ترك الأكل والشرب وبقية المفطّرات الحسية، أما حقيقته: فهو مدرسة لتربية النفس وتزكية القلب، وغضّ البصر وحفظ الجوارح. والعبرة دائماً في الأشياء بحقائقها لا بصورها، بالجوهر لا بالمظهر.

 في الصوم ينبغي أن تصوم جوارحنا عن المحرمات قبل أن تصوم أجوافنا عن المُفَطِّرات؛ تصوم العين عن النظر إلى المحرّم، والأذن عن سماع المحرم، واللسان عن الكلام المحرّم، والبطن عن أكل المحرم، وهكذا في بقية الجوارح والحواس.

لكنني أقف معكم مع واحدة من هذه الحواس والجوارح التي عَمَّ بها البلاء، وهي حاسة البصر.

أنعم الله علينا بعينين نبصر بهما وهما تحت مراقبة الله وعلمه، فهو {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر:19]، وخائنة الأعين هي ما تختلسه العيون من النظرات.

 أما اليوم فقد عمّت هذه المعصية وطمّت حتى أَلِفَها الصغير والكبير، وتساهَلَ فيها بعض الأخيار!

عجَّ الفضاء بمئات القنوات، وهجمت على بيوت الناس دون حسيب أو رقيب، والغالب على هذه القنوات التنافس في عرض صور النساء والتسابق في إظهار الأحسن والأفتن حتى دخلت المرأة كل مجالٍ في الإعلام، صارت تقدّم نشرات الأخبار الفاتناتُ الحسناوات، والمسلم الصائم يرى ويتابع! فضلاً عمّا هو أعظم من ذلك من ظهورها في الأفلام والمسلسلات والحوارات والمسابقات والرقص والغناء والقبلات، حتى أَلِف الناس المحرم ومات الإحساس بكثرة المساس.

ثم جاءت شبكة الإنترنت فزادت الطين بلة، وظهرت ملايين المقاطع والصور وفيها من المخازي ما لا يوصف.

ثم أتت ثالثة الأثافي: الهواتف الذكية، فاتسع الشقّ على الراقع، وعظم البلاء واشتدت الفتنة ومرضت القلوب أو ماتت بسبب فتنة النظر وإطلاق البصر، وخفّ وقع المعصية على قلوب كثير من الناس لعموم البلاء وكثرة ما وقع فيه، وصارت المقاطع تتسابق على هذه الأجهزة عبر وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، ولا يكلّف الأمر سوى إمرار الإصبع لتعرض على شاشة الجوال هذه المقاطع والصور المحرّمة.

 وهذه الأجهزة ملازمة للناس في أحوالهم حتى في المسجد، وفي رمضان! وهو صائم، يقرأ القرآن، يهتز الجهاز في جيبه فيفتح الرسالة؛ فإذا مقطع لامرأة، وربما كانت متبرجة، فيشدّه المقطع ويتابع النظر والمصحف في يده وهو صائم في رمضان في المسجد!

أيها الأحبة، إن الله تعالى حين أنعم علينا بهذه النعمة فالواجب مقابلتها بالشكر: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

 ليس مِن شكر الله أن ننظر إلى الحرام، أتظنُّ يا عبد الله أنَّ تَسريحَ الطَّرفِ وتقليب النظر يمرّ هكذا؟ حينما تُقلّب مُقلتيك في وجوه الفاتنات الجميلات! كلا، {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].  سوف نُسأل.. فلنستعدّ!

أيها الإخوة، إن من أعظم ما نشتكيه ونعانيه قسوة القلوب، وقحط العيون، وذهاب حلاوة العبادة، ولذة المناجاة والخشوع في الصلاة.

 ألا وإنّ لمعصية النظر أثراً كبيراً على القلب، فقد خربت القلوب بإدمان النظر إلى المحرمات ومشاهدة صور الحسناوات، فذهبت لذة القرآن وحلاوة العبادات.

أَمَرَ الله عباده بغض البصر؛ فقال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30].

 أيها الصائمون، قبل أن تصوموا عن الطعام والشراب، صوموا عن النظر المحرّم، ولو كانت المرأة تظهر في نشرة إخبارية أو جلسة حوارية أو غيرهما.

قال أبو الحسين الورّاق رحمه الله: “مَن غَضَّ بصره عن محرّمٍ أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهدي بها سامعيه، ومن غَضَّ بصره عن شبهة نوّر الله قلبه بنور يهتدي به إلى طريق مرضاته”.

 وقال شجاع الكرماني: “مَن عمّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال؛ لم تخطئ له فراسة”.

إنّ غضَّ البصر يا عباد الله يورث القلب أُنساً بالله وجَمعِيَّةً عليه، وأما إطلاق البصر فيفرّق القلب ويشتته ويبعده عن ربه، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.

 ألا ما أحوجنا عباد الله إلى إصلاح القلوب وتطهير الأبصار من إطلاقها وعدم تركها تسرح وتمرح، لا سيما في هذه الأيام حيث يجتمع الصيام والقرآن.

 قال خالد بن أبي عمران رحمه الله: “لا تُتبِعَنّ النظرةَ النظرةَ، فربّما نظر العبد نظرة نَغَلَ منها قلبه كما ينغل الأديم فلا ينتفع به”. أي: يفسد فساداً لا صلاح بعده.

وسُئِلَ الإمام أحمد -رحمه الله- عن الرجل ينظر إلى المملوكة فقال: “إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل”.

عباد الله، إنَّ علينا في هذا الشهر أن ننظر إلى أثر الصوم؛ فإنّ الله بَيَّنَ أنّ حكمة الصوم التقوى، فهل نجد التقوى في القلب؟ هل زَكَت النفوس؟ وهل تطهّرت القلوب؟ وهل شعرنا بأثر العبادة في نفوسنا؟

قال جابر رضي الله عنه: “إذا صُمت فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمحارم، ودَع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء”.

 ينبغي أن نتعلم بمدرسة رمضان حُسن الخلق، وطيب التعامل، والصبر على الخطأ، فليس معنى الصيام أن يبقى الصائم طوال اليوم عابس الوجه سيئَ الخُلق، بل الصيام يعلم حسن الخلق وبشاشة الوجه وطلاقة المُحيا.

 قال بعض السلف: “أهون الصيام ترك الطعام والشراب”.

إِذا لَم يَكُن في السَمعِ مِنّي تَصاوُنٌ***وَفي بَصَري غَضٌّ وَفي مَنطِقي صَمــتُ
فَحَظّي إِذاً مِن صَوميَ الجوعُ وَالظَما***فإن قلت: إني صمتُ يومي، فما صمتُ

قال النبي ﷺ: ” ” ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ ” [رواه ابن ماجه بسند صحيح]

والصيام جُنّة، والجُنّة هي ما يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي.

 عباد الله؛ رمضان شهر التوبة، وكم أقبَلَ على الله من عاصٍ ومفرّط في رمضان، فكم أقبل التائبون في شهر التوبة! وإن من العجب والمؤسف أيضاً أن نرى الاستهزاء بالتوبة والتائبين في شهر التوبة مِن قِبَل أناس من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، ويظهرون على فضائيات محسوبة علينا، فإلى الله المشتكى.

يا معشر الصائمين، صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولنّ عليكم الأمل باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيدُ اللقاء قد اقترب.

عباد الله، سارعوا وسابقوا فنحن في هذا المضمار والميدان، جدوا واجتهدوا وأروا الله من أنفسكم خيراً فإن المحروم من حُرِمَ خيرَ هذا الشهر.

قال الحسن البصري: “إن الله جعل رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا”.

فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.

 الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة. المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحاً فلا يُجابَ إلى ما سأل، قبل أن يحولَ الموتُ بين المؤمّل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهناً في حفرته بما قدّم من عمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى