خطب الجمعةخطب صوتية

السلامة المرورية

 

إن الحمد لله .. اتقوا الله ..

عباد الله .. إن من خصائص الدين الإسلامي: الكمالَ والشمول، فقد أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وشملت شرائعُ دينه ما يحتاجه المرء من مهده إلى لحده، كما قال أبو ذر رضي الله عنه: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علم [رواه أحمد: (21399), والطبراني في الكبير: (1647), وصحح إسناده الألباني في الصحيحة: (4/416).] .

وإننا في هذا اليوم نتوجه إلى جانب من جوانب الحياة التي لا ينفك عنها أحد، ويأخذ جزءا من وقتنا كل يوم وليلة، وأصبح ميدانا لحصد الأرواح، وضرر الأبدان، وتلف الأموال .. إنه السير في الطرقات عبر هذه السيارات.

أيها الإخوة .. لغة الأرقام أدق اللغات، فقد كشفت إحدى الإحصائيات أن حوادث المرور في المملكة خلال العشر سنوات الماضية زادت على مليون حادث، ذهب ضحيتَها ما يقارب أربعين ألف قتيل، وثلث مليون مصاب، وكلفت ما يزيد على عشرين مليار ريال، وفي تقرير صادر عن وزارة الصحة أعلن أن ثلث الأسِرَّة في المستشفيات يشغلها مصابو حوادث السيارات.

أيها الإخوة …

إنها أرقام مفزعةٌ ومخيفة، فاقت ضحايا كثير من الحروب والكوارث والأوبئة، فلله كم من بيت فقد عائلَه وركنه، وكم ترملت من امرأة، وكم تيتم من أطفال، وكم ذهب من شباب في أعمار الزهور، وكم هلك من عوائل بأكملها طحنوا تحت حديد السيارات، وكم من شاب صحيح فقد بعض أعضائه أو حواسه، وكم من شخص أصيب بشلل في أطرافه الأربعة أو بعضها، وكم من إنسان أصيب في النخاع الشوكي فتعطلت حركته تماما، وصار حيا كالأموات، وزوروا مستشفيات النقاهة لتروا العبر بأعينكم.

إن الحوادثَ مفزعة، والأرقامَ مخيفة، والقصصَ محزنة، ولا يكاد يخلو بيتٌ من قصة أو حكاية ألم بسبب حوادث السيارات، فما الحل؟ وما الدواء لهذا الداء؟ وإلى متى يستمر هذا النزيف؟

 

أيها الإخوة .. إن هذا الموضوع موضوعٌ حيوي واقعي، تمس الحاجة إلى طرقه وتناوله من مختلف الزوايا لتحصل الثمرة المرجوة، وهي السلامة المرورية لكل من يسير في الطريق، ولعلي أقف معكم بعض الوقفات حول هذا الموضوع:

 

الوقفة الأولى: نعمة الله بتيسير المراكب

إن من نعم الله علينا أن يسر لنا هذه الوسائل المريحة والسريعة في البر والبحر والجو لتنقلنا إلى ما نريد من الأماكن في راحة وأمن يسر، وقد امتن الله على الأولين أن جعل لهم من تلك الأنعام مراكب يتنقلون عليها، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ }[يس: 73], وقال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ويَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُون} [النحل: 8], فأخبر تعالى أنّه سيخلُق ما لا يَعلمون ولا يجولُ بِفكرهم ويتصوّرُه حالهم، وهذا من كمالِ قدرته جلّ وعلا، وقد خلق ما لا يعلَمون وأتتِ هذه المراكب العجيبة، فسبحان الخالق لكلِّ شيء.

وهذه المراكبُ المعاصرة شيءٌ من منافع الحديد، والتي أشار إليها الرب في قوله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحجر: 99].

أيها الإخوة .. إذا تقرر هذا فإن حق النعمة أن تُشكر وتصرف في مرضاة من أنعم بها، وأن تُوظف في مصرفها الصحيح الذي صُنعت من أجله، لا أن تُكفر هذه النعمة بالسير عليها إلى معصية، أو اتخاذها سببا لإيذاء الناس وضررهم. ومن الضرورات التي جاءت الشريعة بحفظها: حفظُ النفس والمال، والنصوص التي تقرر هذا الأصل كثيرة مشهورة.

 

الوقفة الثانية: حق الطريق في الإسلام

نعم أيها الإخوة .. أصحاب الحقوق كثيرون، ومنهم الطريق فله حق في الإسلام، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والجلوس بالطرقات) فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها. قال: (فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه). قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [رواه البخاري: (2465), ومسلم: (2121).] , وأؤكد هنا على كف الأذى فإنه حق من حقوق الطريق، على كل مسلم أن يلتزم به، ومن ذلك ألا يؤذي بتهوره في قيادة السيارة، أو يؤذي بإضاءة سيارته المزعجة، أو بأصوات تصدر من سيارته، أو يؤذي بالوقوف أمام باب بيته، أو بالوقوف خلف سيارته وحجزه عن الحركة وربما أخره لوقت طويل، وكم يتأذى الناس بذلك والعجيب أن بعض الناس يترفع عن الاعتذار فتجده يركب سيارته ويمضي كأن شيئا لم يكن.

ومن صور الإيذاء ما نراه من البعض من وقوف سيارتين متجاورتين يتحدثان ويضيقون على الناس الطريق، وهذا من قلة الأدب والاحترام للآخرين.

وهكذا في أمثلة كثيرة يجمعها حصول الأذى للغير على اختلاف درجاته، فليحذر المسلم أن يتسبب بأذى لأحد من إخوانه في الطريق، وفي الحديث عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم) [رواه الطبراني في الكبير: (3050), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (5923).] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلما) [رواه أبو داود: (5004), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (7658). عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلىحدَّثنا أصحابُ محمدِ – صلى الله عليه وسلم -.] .

أيها الإخوة .. إن من المؤسف أن يتحدث الناس عن الرقي والنظام والاحترام في قيادة السيارات عند الغرب، بينما نحن المسلمون أولى بهذا الأدب والتحضر لما نملكه من توجيهات وقيم ومبادئ نستمدها من مشكاة الشريعة المطهرة.

 

الوقفة الثالثة: كن مع الله قبل سلوك الطريق

وهذه لفتة جاءت بها الشريعة، فقد أصبحت الطرق ميدانا لزهوق الأرواح، وتلف الأبدان، ومن صور هذا التوجيه:

1. إذا خرجت من عتبة بيتك فرطب شفتيك بذلك الذكر الوارد في حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، فيتنحى له الشيطان، ويقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي) [رواه أبو داود: (5095), والترمذي: (3724), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (499).] .

2. ابدأ بدعاء الركوب عند ركوب السيارة، وعود نفسك الإتيان به، ورب أولادك عليه. وهو أن تقول: بسم الله، الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، والله أكبر الله أكبر الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت [رواه مسلم: (1342), وأبي داود: (2602), والترمذي: (3446) واللفظ لهما, وصححه الألباني في الصحيحة: (4/ 211). عن علي رضي الله عنه .] .

 

الوقفة الرابعة: السكينة السكينة

أيها الإخوة .. لقد أظهرت الدراسات والإحصاءات أن أكثر حوادث السيارات كان سببُها السرعةَ الزائدة، وهذه السرعة هي أكثر ما يؤرق سالكي الطرقات على الطرق السريعة داخل المدن أو خارجها، وهي ناقوس خطر على السائق ومن معه ومن حوله من العابرين. ولذا نقول لكل سائق: السكينة السكينة، والرفق الرفق، وإياك والعجلة والسرعة، فإنه في حال السرعة يفقد السائقُ السيطرة على المركبة عند أي حدث طارئ.

إن التؤدة والتأني في السير من الأمور المحمودة ومن الصفات المرغوبة، قال تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامً} [الفرقان : 63], ومن وصايا لقمان لابنه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان) [رواه البيهقي في الشعب: (4058), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (3011).] ، فلا تجعل مقود سيارتك في يد الشيطان. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) [رواه البخاري: (6927), ومسلم: (2593). عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها.] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في حجته فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا، وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: (أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) [رواه البخاري: (1671).] , – يعني بالإسراع -.

فعلى العاقل أن يتقي الله في نفسه وفي غيره ولا يخاطر بهذه الآلة بسرعة جنونية يفقد بسببها التحكم، وتتحول إلى أداة قتل ودمار.

 

الوقفة الخامسة: القيادة والأخلاق

كم سمعنا منذ زمن عبارة: القيادة فنّ وذوق وأخلاق، نعم وهي مسؤولية ومجال للاحتساب بالنسبة للمسلم حيث يحتسب مسيره عند الله في القيام على مصالح أهله، وصلة الرحم، وقضاء حوائج الناس وغير ذلك من أمور البر حتى يثاب على تنقلاته بالسيارة. وأما قضية الأخلاق فإن القيادة في الطريق ميدان خصب لإظهار كثير من الأخلاق الإسلامية الفاضلة، ومنها: الحلم حين يبدر خطأٌ غير مقصود من غيرك، والإيثار بتقديم أخيك على نفسك في العبور أو إيثاره على موقف سيارة أو غير ذلك، ومنها التبسم تلك الصدقة الغائبة، فما أجمل أن تعم الابتسامة وجوه السائقين في الطرقات بدل العبوس والتجهم، ومن الأخلاق الفاضلة التي نحتاجها الاعتذار، فإذا حصل منك خطأ على غيرك أثناء القيادة فيحسن الاعتذار عن ذلك فهذا من أخلاق الكرام، وهكذا الشكر لمن أحسن إليك أو آثرك في الطريق فمن من لم يشكر الناس لم يشكر الله.

وفي المقابل نحرص على اجتناب الأخلاق السيئة مثل الإضرار بالناس أو الاستهتار بالطريق وأنظمة المرور، أو التجمهر والفضول، وغير ذلك.

إن من المقاييس في مستوى تحضر الشعوب وأخلاقها وتعاملها: طريقةَ أهلها في سلوك الطرقات وقيادة السيارات، فأنت إذا نزلت في بلد فانظر كيف حال أهلها في شوارعهم وقيادتهم، فحري بنا أن نمتثل الأخلاق الإسلامية، وأن نقدم صورة ودعوة عمليةً لغيرنا بحسن أخلاقنا ورقي تعاملنا أثناء القيادة.

بارك الله ..

 

الخطبة الثانية:

الوقفة السادسة: اعقلها وتوكل

احرص أيها المسلم على بذل الأسباب لسلامتك وسلامة غيرك، وهذا من معنى التوكل على الله، فاحرص على فحص سيارتك بصفة دورية وتفقدها وصيانتها من جهة: الإطارات والمصابيح والمرايا العاكسة ومساحات المطر والمكابح، وغيرها.

عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: (اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً) [رواه أبو داود: (2548), وأحمد: (17625), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (104).] ، والشاهد الإشارة إلى صلاحية المركوب.

واحذر من التشاغل حال القيادة بالجوال وغيره، أو مغالبة النوم فإن عواقب ذلك وخيمة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل) [رواه الترمذي: (2517), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (1068).] .

 

الوقفة السابعة: الشعور بالمسؤولية والإيجابية

إن الشعور بالمسؤولية والإيجابية مطلب مهم لتحقيق السلامة المرورية، فالطريق للجميع فلا معنى للأنانية والتجرد من الإيجابية، ومن صور الإيجابية المطلوبة: إذا رأيت ضررا في الطريق فتسعى في إزالته أو التبليغ عنه كحفرة أو جسم ضار في الطريق، أو جملا سائبا على حافة الطريق العام، أو رأيت متهورا أو مفحطا يعرض أرواح الناس للخطر فتزيل ما تقدر عليه، أو تبلغ الجهات المختصة للتعامل معه.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخرج من طريق المسلمين شيئًا يؤذيهم كتب الله له به حسنة، ومن كُتب له عنده حسنة أدخله بها الجنة) [رواه الطبراني في الأوسط: (32), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (5985).] .

 

الوقفة الثامنة: كيف نتعامل مع المتهورين؟

إن من أكثر ما يعكر علينا في طرقاتنا أولئك المتهورين الطائشين الذين آذوا الناس وتسببوا في حوادث كثيرة راح ضحيتها الكثير، وسواء كان ذلك المتهور مفحطا أو مستهترا بقطع الإشارة الحمراء مع السرعة، أو يقود بعد شرب المسكر، أو كان يجوب الطرقات بسرعة جنونية، أو كان عابثا يتلاعب بالسيارة بين الناس، فمثل هؤلاء يجب الحزم معهم بعدم إعطائهم السيارة، وهذه مسؤولية الآباء لأن غالب أولئك المتهورين من الشباب صغار السن، وإذا عرف عنه مثل ذلك فتسحب منه السيارة تأديبا وردعا،{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5].

وأمر آخر أن نتعاون في التبليغ عنهم لتقوم الجهات الأمنية بعقابهم وجزائهم, وأمر ثالث أنبه عليه في التعامل مع أولئك، وهو إن قُدِّر وقوعُ الضرر على أحد منكم من هؤلاء، فلا يعف عن حقه سواء كان دية أو ضمان متلفات لسيارة أو غيرها من الممتلكات، فالأخذ بالحق أفضل من العفو في مثل هؤلاء، لأن الله تعالى يقول: {فمن عفا وأصلح} [الشورى: 40], فالعفو مندوب إليه إذا كان هو الأصلح، ولاشك أن الأصلح في أولئك عدم العفو، لأنك لو عفوت عن ذلك المفحط أو غيره من المتهورين الذي أتلف سيارتك، وخرج على الفور، لخرج من الغد يفحط في مكان آخر، ولا بد له من رادع يردعه.

أما لو وقع الحادث من رجل عاقل بدون تعد منه أو تفريط، فهنا نحث على العفو، كما قال تعالى {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }[البقرة: 237].

ومع هذا كله؛ فلا بد من نصح أولئك الشباب وتوجيههم وإلحاقهم بالصحبة الطيبة.

اللهم ..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى