خطب الجمعةخطب نصية

أبو بكر الصديق رضي الله عنه

الحمد لله رفع قدرَ أولي الأقدار، أحمده سبحانه وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحدُ القهار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار من المهاجرين والأنصار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار أما بعد

عباد الله .. اتقوا الله ..

أيها الناس .. أتحدث إليكم اليوم عن عظيم من العظماء، ونادرة من نوادر التاريخ، ومفخرة من مفاخر المسلمين، إنه رجل لكنه بأمة، رجح إيمانُه بإيمان الأمة، رجلٌ مبارك عظيم، صنع منه الإسلامُ أعجوبةً نادرة، فما عرف التاريخُ مثله، وما أنجبت النساءُ نظيره.

إنه أبو بكر عبدالله بن عثمان بنِ عامر بن كعب التيمي القرشي، ولقبه الصديق لأنه صدّق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالغ في تصديقه، وقد قيل له: “إن صاحبك يزعم أنه أُسري به من مكة إلى بيت المقدس وعاد في ليلته!، فقال رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق” [رواه الحاكم في المستدرك: (4407), وقال “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ” ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة: (306).]

وهو أول من يدخل في قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون} [الزمر: 33].

قال بعض المفسرين: الذي جاء بالصدق هو النبي صلى لله عليه وسلم، والذي صدّق به هو أبو بكر رضي الله عنه.

وهو الصدِّيق؛ لأنه أول من صدّق وآمن بالنبي صلى لله عليه وسلم من الرجال.

وصفه النبي صلى لله عليه وسلم بهذا اللقب الرفيع كما روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى لله عليه وسلم صعد أُحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال صلى لله عليه وسلم: اثبت أُحد ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان . [رواه البخاري: 3675]

قال التابعي الجليل مسروق بن الأجدع رحمه الله: حُبُّ أبي بكر وعمر، ومعرفة فضلهما من السنة.

وذكر ابن الجوزي أن السلف كانوا يُعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السور من القرآن.

هو أفضل الصحابة وأجلُّهم وأكثرُهم نفعاً للأمة.

نطقت بفضله الآياتُ والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والانصار.

دعي الي الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زلَّ ولا كبا.

من كان قرين النبي في شبابه؟، من ذا الذي سبق إلي الإيمان من أصحابه؟، من الذى أفتى بحضرته سريعا في جوابه؟.

ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر. كان رضي الله عنه أبيض نحيفاً، خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، وكان يخضب بالحناء والكتم.

كان تاجراً جمع الأموال العظيمة التي نفع بها الإسلام والمسلمين، حيث اشترى جماعة من السابقين إلى الإسلام، وكانوا يعذبون على دينهم، فأعتقهم لوجه الله تعالى.

كان إسلامُه خيرا وبركة، حيث أسلم بإسلامه جماعةٌ من الأكابر، منهم: عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، رضي الله عنهم.

وكان صاحبَ مروءة وفضل وعقل، ولم يعرف عنه أنه شرب الخمر في الجاهلية قبل الإسلام.

أما الفضائل فقد جمع أطرافها، وحاز شعارها ودثارها.

قال ابْن عُمَرَ رضي الله عنه : كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى لله عليه وسلم حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِي صلى لله عليه وسلم بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ رضى الله عنهم أَجْمَعِينَ. [رواه أبو داود: (4628), وصححه الألباني في صحيح أبي داود.]

أول الخلفاء الراشدين، وصاحب سنة متبعة، وهو قدوة للأمة، قال صلى لله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) . [رواه الترمذي: (3662), وأحمد: (23245), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1142).عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه]

حصل يوما بينه وبين بعض أصحابه شيء فبلغ ذلك النبيَّ صلى لله عليه وسلم، فتمعر وجهه، وقال: “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ” . [رواه البخاري: (3661). عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه .]

سبق إلى الإيمان، ووقف مع المؤمنين، وصحب النبي صلى لله عليه وسلم وصدّقه، ولازمه وناصره، ورافقه في الهجرة، وهو ثاني اثنين معه في الغار، وشهد معه الغزواتِ كلها.

لما كانا في طريق الهجرة كان أبو بكر رضي الله عنه يمشي ساعة بين يدي النبي صلى لله عليه وسلم وساعة خلفه، ففطن له رسول الله صلى لله عليه وسلم، فسأله، فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك، فلما وصلا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئه، فدخل واستبر. قال عمر رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده لتلك الليلة من أبي بكر خير من آل عمر” . [رواه الحاكم في مسنده: (4268), وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَوْلَا إِرْسَالٌ فِيهِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وأقره الذهبي في التلخيص, وقال: صحيح مرسل.]

بذل نفسه وولده وماله في سبيل دينه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى لله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله ! قال عمر فقلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدا . [رواه أبو داود: (1678), الترمذي: (3675), وحسنه الألباني في صحيح أبي داود: (1473).]

قال عروة بن الزبير: سألت عبدالله بن عمرو بن العاص: “أخبرني بأشدِّ شيء صنعه المشركون بالنبي صلى لله عليه وسلم قال: بينا النبي صلى لله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى لله عليه وسلم وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [الذاريات: 56] . [رواه البخاري: (3856).]

زكّـاه الله وأثنى عليه في كتابه، فقال سبحانه وبحمده: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرضى} [الليل: 21].

كان أحب الناس إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقد تبوأ منه منزلة لم يبلغها أحد.

سأل عمرو بن العاص رسولَ الله صلى لله عليه وسلم فقال: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها) [رواه البخاري: (3662), ومسلم: (2384).]

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: “إن من أمنِّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر” . [رواه البخاري: (466), ومسلم: (2382).]

قال ابن المسيب رحمه الله: “كان أبو بكر من النبي صلى لله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله صلى لله عليه وسلم يقدم عليه أحدا”.

كان سباقا إلى الخيرات، منافسا في الصالحات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: “من أصبح منكم اليوم صائما؟ “قال أبو بكر: أنا، قال: “فن تبع منكم اليوم جنازة؟” قال أبو بكر: أنا. قال: “فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟” قال أبو بكر: أنا. قال: “فمن عاد منكم اليوم مريضا؟”. قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم : “ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة” . [رواه مسلم: 1028]

ولما ذكر النبي صلى لله عليه وسلم أبواب الجنة، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر [رواه البخاري: (1897), ومسلم: (1027). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .]

كان معروفا بمكارم الأخلاق، ومعالي الخلال حتى عند قومه، فلما اشتد البلاء في أول الدعوة، ضاق الأمر وهاجر أقوام إلى الحبشة، وخرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك [رواه البخاري: (3905). عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.]

كان رجلاً رحيماً رقيق القلب، راسخ الإيمان، امتلأ قلبه إيمانا ويقينا ومحبة وخشية.

قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: “ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وَقَـرَ في قلبه”.

كان آية في الورع، ذكروا أنه لما حضرته الوفاة، قال لابنته: يَا عَائِشَةُ، انْظُرِي اللِّقْحَةَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا، وَالْجِفْنَةَ الَّتِي كُنَّا نَصْطَبِحُ فِيهَا، وَالْقَطِيفَةَ الَّتِي كُنَّا نَلْبَسُهَا، فَإِنَّا كُنَّا نَنْتَفِعُ بِذَلِكَ حِينَ كُنَّا فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا مِتُّ، فَارْدُدِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكَ [رواه الطبراني في الأوسط: (38), وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9170): رجاله ثقات. عن الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما.]

لم تغيره المناصب، وأدرك حجم المسؤولية. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها. فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت. فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده فإذا الذي يأتيها أبو بكر الصديق، وهو خليفة المسلمين. فقال عمر: أنت هو لعمري [تاريخ الخلفاء: (1/65).]

أذعن كبار الصحابة له بالفضل والمنزلة، فهذا عمر الفاروق يقول رضي الله عنه : وددت أني شعرة في صدر أبي بكر [رواه ابن بطة في الإبانة: (248), كنز العمال: (35626).] . وقال علي رضي الله عنه: “خير الناس بعد رسول الله أبو بكر وعمر، ولا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن” . [رواه الطبراني في الأوسط: (3920).]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَل
اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَـولـِه *** لا يَنْـثَني عَنـهُ ولا يَتَبَـدَّل
حُبُّ الصَّحابَةِ كُلُّهُمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّــل
وَلِكُلِّهِمْ قَـدْرٌ وَفَضْلٌ سـاطِعٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَـل

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

إن حياة أبي بكر رضي الله عنه وأعمالَه تاريخ ومدرسة يُستقى منها العلم والعبر.

فهو الثاني في الإسلام، ورفيق الهجرة، وله موقف الثبات المشهود يوم موت النبي صلى لله عليه وسلم.

وبعد موته صلى لله عليه وسلم حارب رضي الله عنه المرتدين، ومانعي الزكاة ، وقتل الله مسيلمة الكذاب بسببه.

كان موقفا عظيما في تاريخ الإسلام، حتى قيل: (نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الردّة، وبأحمد يوم الفتنة).

وفي عهده كانت فتوحات الشام العراق. وفي عهده جُمع القرآن.

توفي رضي الله عنه في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين، وما ترك درهما ولا دينارا.

أيها المسلمون .. تعرفوا على هؤلاء العظام، واقتدوا بأولئك الأخيار، وعطروا مجالسكم بذكر أخبارهم وسيرهم، وربوا أبناءكم على هذه القدوات، واملأوا قلوبكم بحبهم.

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى