حقوق الإنسان في الإسلام
admin 13 أغسطس 2019 0 219

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

عباد الله .. إن الله تعالى خلق الإنسان، وعلمه البيان، خلقه فأحسن خلقه، وكرمه وشرفه على كثير من مخلوقاته، أوجب عليه واجباتٍ، وقرر له حقوقا محفوظة في نصوص الشريعة.

أيها الإخوة .. كثر سماعنا في السنوات الأخيرة لعبارة رنانة طنانة ، نسمعها كثيرا في وسائل الإعلام، ونقرؤها في الصحف والمجلات، وأنشئت لها الهيئات والجمعيات والمنظمات، وعقدت لها الجوائز والمؤتمرات والندوات، إنها عبارة (حقوق الإنسان)، التي أقرت هيئة الأمم المتحدة يوما في السنة سمي باليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو العاشر من ديسمبر كل عام يُحتفل فيه بهذه المناسبة.

فما حقيقة هذا المصطلح؟ وهل له رصيدٌ في الواقع؟ وما منزلته في دين الإسلام؟.

لعلنا نضع هذا المصطلحَ في الميزان، وننظرُ إليه بعين الإنصاف والعدل.

أيها الإخوة .. لقد تجلت عناية الإسلام بالإنسان، وتقريرِ حقوقه، وحفظِها في معالمَ كثيرةٍ منها:

 

أولا: تكريم الله للإنسان

قال الله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} [الإسراء: 70] ، ومن مظاهر هذا التكريم:

1. أن الله اختصه بأن خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وسوى خلقه وأحسن صورته، وأسجد له ملائكتَه.

2. منحُ الإنسانِ العقلَ والنطق والتمييز، قال تعالى: {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان } [الرحمن: 4] .

3. تسخيرُ ما في السموات والأرض لهذا الإنسان، قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} [الجاثية: 13] .

4. حفظ الله لهذا الإنسان، ورعايتُه إياه. قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] , أي: لله تعالى ملائكةٌ يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر الله. قال مجاهد: ما من عَبْدٍ إِلا ومَلَكٌ موكّل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوامِّ، فإذا أراده شيء، قال: وراءك وراءك، إِلا شيءٌ قد قضي له أن يصيبه.

5. إرسالُ الرسل إلى هذا الإنسان لهدايته وإنقاذه، قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151] .

قال ابن القيم رحمه الله: “اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه، بأن كرمه وفضله وشرفه، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات” [مدارج السالكين: (1/ 227).] .

 

ثانيا – من المعالم-: أن الشريعة ألزمت بحقوق أصناف كثيرة من الناس

فقد أكدت الشريعة حقوقا لأصناف من بني الإنسان، وذلك في نصوص شرعيةٍ كثيرةٍ جدا، ومن تلك الحقوق: حقُّ الوالدين {وبالوالدين إحساناً} [البقرة: 83] ، وحق ذوي القربى {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] ، ومن حقه: صلة الرحم والإحسان إليه. وحقُّ المساكينِ وابنِ السبيل، وحق اليتيم :{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء: 34] ، وحق الجار، ولو كان كافرا.

وهؤلاء وغيرُهم جمعوا في آية الحقوقِ العشرة، وهي قوله تعالى في سورة النساء: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورً} [النساء: 36] .

فهذا نص قرآنيٌ محكم، تضمن الأمرَ بأداء حقوقِ أصنافٍ من بني الإنسان؛ الوالدين والأقارب، واليتامى، والمساكين، والجيران سواء كانوا أقارب أم أباعد، حتى لو كانوا كفارا فلهم حق الجوار، والأصحاب في السفر، وفي الحضر؛ كالزوجة والصديق ونحوهما، والمسافر المنقطع، وملك اليمين من العبيد والإماء.

وهو تنظيم واضح لعلاقات الإنسان بتلك الأصناف المذكورة يؤكد مفهوم (حقوق الإنسان) في القرآن، ويؤصلُه ويضعُ أسسه وقواعده.

وأكد الشرع على حق الضعفاء من النساء والأطفال واليتامى،

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيمِ والمرأة) [رواه ابن ماجه: (3678), وأحمد: (9664), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2447).] .

فأما المرأة فقد تكاثرت النصوص في حقوقهن عموماً، كما جاء تخصيص أصناف منهن كالأمهات والبنات والخالات والزوجات والمطلقات وغيرهن، وكفل لهن حقوقهن في الحياة، وبعد الممات بإثبات الميراث لهن، وتتبع ذلك يطول جدا.

وأما الأولاد فجاءت الشريعة بتأكيد حقوقهم، ابتداء من حقهم في الحياة، قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] . وقرر حق الطفل المولود في الرضاع، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، وكفل حقهم بالنفقة والحضانة والتربية.

وطائفة أخرى من بني الإنسان، وهم ولاة الأمور؛ فأثبتت الشريعة وأكدت على حقوقهم، ومنها النصيحة، والسمع والطاعة في المعروف، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] , وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) [رواه البخاري: (2957), ومسلم: (1835).] .

 

بل تميزت الشريعة الغراء بحفظ حقوق الأعداء من الكفار والمشركين والمنافقين والبغاة ونحوهم، وتجلى ذلك في صور منها:

1. حرّم الله ظلم الكافر، وشدّد على ذلك، وأوجب العدل والإنصاف في التعامل معه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [النساء: 3] ، وعلى ذلك فلا يجوز الاعتداء عليه في نفسه، أو ماله، أو عرضه، بل يعيش آمناً، وعليه أن يلتزم بما اتفق المسلمون معه عليه ولا يخل بذلك.

2. وأكد ذلك النبي صلى لله عليه وسلم بقوله وفعله، فقال صلى لله عليه وسلم: (ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) [رواه أبو داود: (2655), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2655).] .

وتمثل ذلك بفعله صلى لله عليه وسلم في التعامل مع غير المسلمين في المجتمع المدني، حيث وجدوا من سماحة الإسلام ويسره ما لم يجدوه في دياناتهم.

فقررت الشريعة حفظ حق الكفار في أوقات السلم، سواء كانوا معاهدين، أو ذميين، أو مستأمنين، فالمعاهد هو من جرى بيننا وبينهم عهد وهو في بلده، فيحترم هذا العهد ولا يعتدى عليه. والذمي هو الكافر الذي يكون بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمناً، تحفظ له حقوقُه، ولا يعتدى عليه لكن عليه دفع الجزية. والمستأمِن هو الكافر الذي يعيش بين المسلمين وقد أُعْطِيَ الأمان ألا يعتدى عليه، سواء من الإمام أو من يجيزه الإمام، والكفار في بلدنا من هذا النوع.

فكل هذه الأصناف الثلاثة حفظت الشريعة حقهم، وحرمت الاعتداء عليهم في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعا: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) [ رواه البخاري: (3166).] .

ووجدنا ذلك في سنة النبي صلى لله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: “كان غلام يهودي يخدم النبي صلى لله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى لله عليه وسلم يعوده” [رواه البخاري: (1356).] .

وعن عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من القبط في أداء الجزية فقال ما هذا؟! سمعت رسول الله صلى لله عليه وسلم يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) [ رواه مسلم: (2613).] .

وقال أمير المؤمنين عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: أوصي الخليفةَ من بعدي بأهل الذمة خيرا, وأن يوفي بعهدهم, وأن يقاتل من ورائهم, وألا يكلف فوق طاقتهم [ رواه البيهقي في الكبرى: (18741).] .

وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه واليا على مصر، فسابق ابنُه أحدَ الأقباط على الخيل، فسبق القبطيُ، فضربه ابنُ عمرو بن العاص، وقال: خذها وأنا ابن الأكرمين، فسار القبطي إلى المدينة وشكاه إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، فدعا عمرَو بن العاص وابنَه من مصر، فلما قدموا قال للقبطي: قم واضرب ابن الأكرمين، ثم قال لعمرو: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟!.

والشواهد في ذلك كثيرة.

3. نهت الشريعة عن الغدر في المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق مع الكفار، فحفظ هذه المواثيق مقدم على نصرة المؤمن، قال تعالى :{وإن استنصروكم – يعني المؤمنين – في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} [الأنفال: 72] .

واحترمت حق الإنسان الكافر في الحرب بالنهي عن التمثيل بجثته، ونهت عن قتل من لم يقاتل من النساء والأطفال والكبار والرهبان. ففي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية ، أوصاه .. – وذكر من جملة ما أوصاه -: “ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا” [ رواه مسلم: (1731).] .

وعن ابن عمر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث يزيدَ بن أبي سفيان إلى الشام وكان مما أوصاه به: “ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا صبيًّا ولا صغيرًا ولا امرأة” [رواه ابن زنجويه, انظر: كنز العمال: (11411).] .

وحفظت الشريعة حق الأسير في الحرب بحسن معاملته، والرفق به، وحفظ حقوقه كإنسان، وتوفير الطعام والشراب والكساء له، وقد أثنى الله تعالى في كتابه على عباده الأبرار، ووصفهم فقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرً} [الإنسان: 8] ، وعن أبي عزيز بن عمير مرفوعا: (استوصوا بالأسارى خيرا) [ رواه الطبراني في الصغير: (409), وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: (832). وفي (مجمع الزوائد): 6/ 86: “رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ”.]

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

فقد أعلن النبي صلى لله عليه وسلم في خطبة الوداع مبادئ راسخة لحقوق الإنسان، فقال في ذلك المحفل العظيم: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارا ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت [ رواه البخاري: (1739) واللفظ له, ومسلم: (66).عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.] .

إنها مبادئ خالدة لحقوق الإنسان، لا يبلغها منهجٌ وضعي، ولا قانون بشري، فلصيانة الدماء قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} [البقرة: 179] ، ولصيانة الأموال قال تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَ} [المائدة: 38] ، ولصيانة الأعراض قال تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ، هذا لغير المحصن.

بل أوجبت الشريعة أن يحفظ حق المسلم حتى بعد موته، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مكرما ومطيبا، وحرم الجلوس على القبر وامتهانه.

فهذه الحقوق ربانية من عند الله، شاملة لجميع أنواع الحقوق: الاجتماعية والمالية والسياسية والشخصية وغيرها ، كما أنها عامة لكل أصناف المجتمع، ولجميع أفراده، حتى المخالفين منهم.

وكذا رتب على أدائها الجزاء والثواب، وعلى التقصير فيها: الحساب والعقاب، ذلك أنها واجبة ملزمة، يؤكد ذلك بجلاء؛ قول النبي صلى لله عليه وسلم (لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [رواه مسلم: (2582). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .] .

وأما الحدود الشرعية التي يزعم أنها تصادم حقوق الإنسان كالرجم والقطع، فهي أحكام ربانية ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، وليس من حق البشر أن ينظروا في استبدالها، والذي شرعها رب حكيم خبير أعلم بما يصلح الإنسان، وقد ظهر أثر إقامة الحدود على حفظ حقوق الإنسان في دينه ونفسه وعرضه وماله وعقله.

ثم إن هذه الحضارة الغربية تتشدق بحقوق الإنسان في المحافل، وهي عبارات جوفاء، واستهلاك إعلامي، وحبر على ورق، ورأينا مصداق ذلك في قضية فلسطين، وما فعلوه في أفغانستان والعراق من تدمير وحط لقدر للإنسان، ولا ننسى ما جرى في قعر دارهم في قلب أوروبا في البوسنة والهرسك قبل ما يقارب خمس عشرة سنة من فظائعَ ومجازر وتطهيرٍ عرقي، وقفوا أمامه يتفرجون ويضحكون، كما هم اليوم يتفرجون على مآسي المسلمين دون أن يفعلوا شيئا لحفظ حقوق الإنسان المنتهكة.

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.