حسن الخلق
admin 13 أغسطس 2019 0 323

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

فقد أثنى الله على نبيه محمدٍ صلى لله عليه وسلم في كتابه فقال: }وإنك لعلى خلق عظيم{ [ن: 4]، فالله العظيم يخلد ثناءه على خير خلقه لا بعبادته ولا بجهاده، وإنما بخلقه العظيم.

أعلن النبي صلى لله عليه وسلم يوما أن الغرض من بعثته هو قضيةُ الأخلاق: تهذيبها وإصلاحها، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) .[ رواه البزار: (8949), وصححه الألباني في الصحيحة: (45) عن أبي هريرة رضي الله عنه .] ، وفي لفظ: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) . [رواه أحمد: (8952), والبيهقي في الشعب: (7978), والبخاري في ” الأدب المفرد “: (273) وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2349).]

إن مما دعا إليه الإسلام ورغب فيه، وعده من الإيمان، ومن جليل العبادات، ورتب عليه عظيمَ الأجر والحسنات: حسنَ الخلق.

الأخلاق الفاضلة أساسٌ متين، وركن ركين في بناء الفرد وترابط المجتمع وتجانسه، ولا غرو أن تقاس المجتمعات بأخلاق أفرادها

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

الخلق الحسن هو السحر الحلال، فهو الطريق إلى كسب محبة الناس، ونيل تقديرهم، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسانَ إحســـانُ

 

يحدثنا التاريخ عن أراض واسعة في أرض الله، منها بلاد شرق آسيا وبعض نواحي أفريقيا دخل أهلها في دين الله أفواجا طائعين راغبين، وانتشر الإسلام في بلادهم، بلا معارك ولا جيوش ولا قتال، وإنما جاءها تجار مسلمون حسنت أخلاقهم، وصدقوا في تعاملهم، فتأثر أولئك وانقادوا مسلمين مؤمنين.

حسن الخلق – أيها الإخوة – لا يتطلب جهدا بدنيا، ولا بذلا ماديا، بل هو يسير على من يسره الله عليه.

حسن الخلق: “طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى”.

عن أنس قال: لقي رسول الله صلى لله عليه وسلم أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: “عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما” [رواه أبو يعلى: (3298), والطبراني في الأوسط: (7103), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (4048).]

كان النبي صلى لله عليه وسلم مدرسة في حسن الخلق، والحديث عن ذلك يتطلب خطبا ومحاضرات ومؤلفات، كيف وقد وصفه ربه بأنه على خلق عظيم، ويصفه أحد المقربين منه، وهو أنس رضي الله عنه فيقول: كان رسولُ الله صلى لله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً . [رواه البخاري: (6203), ومسلم: (2150).]

وقال في إثبات عملي: لَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ صلى لله عليه وسلم عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله : ألاَ فَعَلْتَ كَذا ؟ [رواه البخاري: (6038), ومسلم: (2309).]

إن ميزان الخيرية بين الناس ليس بأحسابهم ولا بمناصبهم وإنما بحسب أخلاقهم، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله صلى لله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: (إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً) [رواه البخاري: (3559), ومسلم: (2321).]. وفي لفظ للبخاري قال صلى لله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا) [رواه البخاري: (3759).]

والإيمان يكمل بحسن الخلق فثمة ترابط بين الظاهر والباطن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى لله عليه وسلم: (أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً) [رواه أبو داود: (4682), وأحمد: (10817), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1230).]

في يوم القيامة يوم الأهوال والشدائد، حيث توضع الموازين وتنشر الدواوين وتوزن الأعمال، فإن سألت عن أثقلها فدونك الجواب فيما رواه أبو الدرداءِ رضي الله عنه أن النبي صلى لله عليه وسلم قَال: (مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ) [رواه أبو داود: (4799), والترمذي: (2002), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (5632).]

وفي ذلك الموقف العصيب يفر المرء من أبيه وأخيه، ويتمنى الجميع أن يكون قريبا من النبيين لينال الأمن والطمأنينة، فإن أردت أن تكون قريبا من النبي صلى لله عليه وسلم، فاستمع إلى ما رواه جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى لله عليه وسلم قَالَ: (إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ؛ أحَاسِنَكُم أخْلاَقاً) . [رواه الترمذي: (2018), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2201).]

 

عبد الله .. إن ضعفت عن صيام النهار وقيام الليل، فأدرك درجة ذلك بحسن الخلق في تعاملك مع الناس، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى لله عليه وسلم يقول: (إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ) .[ رواه أبو داود: (4798), وصححه الألباني في الصحيحة: (795).]

 

كل مسلم أمنيته الجنة، وجعل الله الطريق إليها بأسباب كثيرة، لكن ما أكثر الأسباب التي توصل إلى الجنة؟ سُئِلَ النبي صلى لله عليه وسلم عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: (تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ) [رواه الترمذي: (2004), وصححه الألباني في الصحيحة: (977). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .] ، بل تكفل النبي صلى لله عليه وسلم لمن حسن خلقه بأعلى الجنة، فقال: (أنَا زَعِيمٌ – يعني ضامن – ببَيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ) [رواه أبو داود: (4800), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (1464). عن أبي أمامة رضي الله عنه .]

 

عباد الله .. إن أمتنا الإسلامية اليوم تعيش أزمات متراكبة، وإن مما تعانيه اليوم: أزمة خلق، نعم فثمة جفاء في الأخلاق، وسوء في التعامل، شاع بين الناس الأثرة وحب النفس، وسوء المعاملة. بعض الرجال في بيته سيء الخلق ضيق العطن، لا يحسن عشرة امرأته، ولا يقدر كرامة المرأة، بل يدخل بسباب، ويخرج بصراخ وشتيمة، ويصبح على مشكلة، ويمسي على خلاف، انقطعت الجسور بينه وبين أولاده فهو في ضنك، وهم منه في عناء.

وذاك الموظف يستقبل المراجعين بأنفة وكبر، لا يرفع رأسه، ولا يهتم بمعاملاتهم، سيء التعامل، كثير التضجر، سريع الغضب.

وذاك المعلم فضٌّ في تعامله مع الطلاب، شعاره الصراخ والسب والتحقير، ملَّ منه طلابه، وحفر في أذهانهم صورة سيئة لا تمحى عبر السنين.

وذاك جار منقبض عن جيرانه، لا يلقي السلام، ولا يحسن اللقاء، ولا يعرف التبسم والبشاشة والبشر.

وكم يعاني العمال ممن يعملون عندهم من الترفع والظلم، وسوء المعاملة، ومخاطبتهم بعبارات سيئة، وعدم تقديرهم واحترامهم.

إن حسن الخلق عبادةٌ عظيمة، وشعبة من شعب الإيمان، وباب من أبواب الأجر العظيم، وطريق موصل إلى الجنة.

تأملوا عباد الله وتدبروا هذا الحديث النبوي الذي يجلي أثر الخلق على صاحبه، إن كان حسنا أو سيئا، فعن ابن عمر مرفوعا: (أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسلَ) [رواه الطبراني في الأوسط: (6026), وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج: (36) واللفظ له, وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (176).]

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (هي في النار)، قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: (هي في الجنة) [رواه أحمد: (9675), وابن حبان: (5764), وصححه الألباني في صحيح الترغيب: (2560).]

 

عباد الله .. الخلق منحة من الله، وقد يكتسبه المرء بالمجاهدة والمران والتعود، والبعض يحتج على سوء خلقه بأن هذا طبعُه الذي جبل عليه، ولا يستطيع أن يغيره، وبهذا يعطي لنفسه أن يعيش حياته على بعض الأخلاق السيئة كالغضب والكبر وتقطيب الجبين وغيرها.

وهذه حجة داحضة، فالأخلاق مكتسبة، لأن النفس تتقبل الخير والشر، والحسن والسيئ، وفي الحديث عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه) [رواه الطبراني في الأوسط: (2663), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2328). عن أبي الدرداء رضي الله عنه .]

فمن جبله الله على خلق حسن؛ فليحمد الله ولينمِّه فيه، ومن كانت فيه خصلة من الخصال السيئة فليجتهد في تغييرها وتركها، بالوسائل الممكنة من الترويض وترك البيئة التي تشجع عليها، مع الدعاء والابتهال، فقد كان من دعاء النبي صلى لله عليه وسلم أنه يقول: “اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي” . [رواه ابن حبان: (959) واللفظ له, وأحمد: (3823), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1307).عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه .]

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

إن مما يحتاجه الناس في باب الأخلاق: القدواتِ الحسنة، ولا يعلم على مرِّ التاريخ أحسن خلقا من نبي الهدى صلى لله عليه وسلم، فقد بهر العالم بخلقه وحسن تعامله مع ما أعطاه الله من المنزلة العظيمة الرفيعة في الدنيا والآخرة.

لقد وسع الناس بخلقه الرفيع من الأطفال والنساء والعبيد، والغريب والصديق، والمؤمن والكافر.

كان لين الجانب دائم البشر، أكثر الناس تبسما، وكان أجود الناس، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويعطي الغنم بين جبلين، وكان أشجع الناس، وأسمح الناس، ولم يكن فظا ولا غليظا، ولا سبابا ولا صخابا، ولا فاحشا ولا متفحشا، يقضي حوائجه بنفسه، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، وإن كان في البيت كان في مهنة أهله؛ يعني في خدمتهم.

يمشي مع الأرملة واليتيم، ويجالس المسكين، ويقضي حوائجهم.

كان يقدر الناس ويحتفي بهم، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى لله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع . [رواه الترمذي: (2490), وحسنه الألباني في الصحيحة: (2485).]

إذا أخطأ أحد عليه بقول أو فعل عفا وصفح، عن أنس رضي الله عنه قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى لله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى لله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء [رواه البخاري: (2980), ومسلم: (1057).]

آذاه قومه أشد الإيذاء في مكة حتى طردوه، فلما نصره الله ودخل مكة فاتحا، وتمكن منهم، قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” [رواه البيهقي في الكبرى: (18276), وضعفه الألباني في الضعيفة: (1163). عن ابن إسحاق مرسلا.]

والحديث عن خلقه صلى لله عليه وسلم طويل وجميل، فاقتدوا بنبيكم صلى لله عليه وسلم، ولنتعاهد أن نبدأ صفحة التغيير في حياتنا بالالتزام بالخلق الحسن، والتعامل الراقي، والذوق الرفيع، وبهذا نكسب خيرَ الآخرة، والثناء والمحبة في الدنيا.

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.