اليقين – الجزء الثاني
admin 19 ديسمبر 2015 0 308

إن الحمد لله .. أما بعد .. اتقوا الله

أيها الإخوة .. سبق الحديث في جمعة سابقة عن عمل من أعمال القلوب، وقربة من القربات إلى علام الغيوب، وهو اليقين، ببيان معناه، ومنزلته في الدين، ومراتبه، والأسباب التي يحصل بها اليقينُ في قلب العبد ويرسخُ في فؤاده، ونصل الحديثَ اليومَ لننظر في الثمرات والفوائد التي يجنيها العبد إذا حقق اليقين، ونتعرف على أمثلةٍ وقصص لأصحاب اليقين، فأما الثمرات فهي كثيرة يانعة، ومنها : [(مستفاد من أعمال القلوب للسبت بتصرف).]

1. انشراحُ الصدر، وقوةُ القلب وإشراقُه بنور الإيمان، وسلامته من أضداد ذلك من الشكوك والشبهات المقلقة، فبقدر قوة اليقين في القلب تكون الطمأنينة والانشراح وقرة العين، وذهاب الهموم والغموم، فيمتلئ القلب محبة لله، وخوفاً منه، ورضاً به، وشكراً له، وتوكلاً عليه، وإنابة إليه، فهو مادة جميع المقامات، والحامل لها، كما قال ابن القيم رحمه الله، (بخلاف الريب والشك والتردد، فإنه يورث قلقاً في القلب، وضجراً وألماً، ولهذا كان الشك يوجب لصاحبه حرارة، وأما اليقين فيوجد له برداً في قلبه) [مدارج السالكين: (1/398).] .

قال ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) [ذكره عنه تلميذه ابن القيم في مدارج السالكين: (1/ 458)، والوابل الصيب: ص (69).] .

وقال: (ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري أنَّى رحتُ فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خَلْوَة، وقتلى شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) [الوابل الصيب: (48).] .

 

2. تحصيل الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة، والفلاح كلمة جامعة تعني تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، قال الله عز وجل في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[البقرة: 5]. وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَافِيَةِ) [رواه البيهقي في الشعب: (4449) واللفظ له, وصححه الألباني في صحيح الجامع: (4072).وأحمد: (38) ولفظه: ( عن أبي بكر أنه خطب الناس على منبر رسول اللَّه – صلى الله عليه وسلم – فقال: قام رسول اللَّه في مقامي هذا عام الأوَّل، ثم بكى أبو بكر – رضي الله عنه – ثم سُرِّي عنه فقال: سمعت رسول اللَّه يقول: (إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمُعَافَاةِ، فَسَلُوهُمَا اللَّهَ – عز وجل), وصححه لغيره محققو المسند.] .

فهذا حديث عظيم يدل على منزلة اليقين في الدين، وأنه بأعلى المراتب، ومما يجدر بالمسلم أن يلهج لسانُه بالدعاء أن يرزقه هذه المنزلة.

قال ابن القيم رحمه الله: (لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه) [زاد المعاد: (4/ 197).] .

 

3. من ثمرات اليقين: أنه يورث العمل للآخرة، والزهد في الدنيا وقصر الأمل، فلا تتعلق نفسه بها ولا بُحطامها، لأنه يعلم أنها ليست موطناً له، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب، ونفسُه وفكره معلق بدار المقام. وفي غزوة بدر لما حَرَّضَ النبي صلى لله عليه وسلم أصحابَه على القتال وقال: (والَّذِي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ لا يقاتلُهُمُ اليومَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صابراً مُحْتَسِباً مُقْبلاً غَيْرَ مُدْبر إلاَّ أدخله الله الجنّةَ)، قام عُمَيرُ بنُ الحِمَام الأنصاريُّ وبِيَدِه تَمَرات يأكُلُهُنَّ فقال: يا رسولَ الله جنة عَرْضُها السمواتُ والأرْضُ؟! قال النبي صلى لله عليه وسلم: نَعَمْ. قال: بَخٍ بَخٍ يا رسولَ الله ما بَيْنِي وبَيْنَ أنْ أدخُل الجنةَ إلاّ أنْ يقتُلَني هؤلاءِ، لَئِنْ حِييتُ حتى آكُلَ تمراتِي هذهِ إنها لحَيَاةٌ طويلةٌ، ثم ألْقَى التمراتِ وقاتلِ حتى قُتِلَ رضي الله عنه [رواه مسلم: (1901). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه .] .

هكذا اليقين حين يستقر في القلب ويكمن في الفؤاد؛ يبعث على العمل، يقين بالجنة الموعودة فقام إليها، ورأى أن أكل تمرات حياةٌ طويلة تقطعه عن مراده. ولذا كانت أعمالهم أجل وأعظم كما جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (لَمِثقالُ ذرةِ برٍّ من صاحب تقوى ويقين؛ أفضلُ وأرجح وأعظم من أمثال الجبال عبادةً من المغترين) [الإحياء: (3/ 379). قال مخرج أحاديث الإحياء: (قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين من قول أبي الدرداء بنحوه وفيه انقطاع…).] .

 

4. الانتفاع بالآيات والبراهين، قال الله عز وجل: {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}[الذاريات: 20]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[الجاثية: 4]، وقال عز وجل: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[البقرة: 118]، فأصحاب اليقين هم المنتفعون المتأثرون بالآيات والعبر والأحداث الكونية. بخلاف أصحاب الغفلة كما حكى الله تعالى عن كفار قريش، فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُو}[يوسف: 105].

 

5. الثبات والصبر، والرضا بمر القضاء، فإن المصائب والشدائد تحتاج إلى قوة في تجرعها، والقوة المغذية للقلب في هذا هو اليقين، ولهذا تجد أصحابَ اليقين الراسخ تنزلُ عليهم أمثالُ الجبال، فيقابلونها بثبات يدكُّ الجبال، وآخرون ينهارون أمام أدنى المصائب، بل ربما لجأ بعضهم إلى الانتحار بسبب مشكلة اجتماعية أو ضائقة مالية مؤقتة. قال تعالى لنبيه صلى لله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}[الروم: 60] فأمره أن يصبر، وأن لا يتشبه بالذين لا يقين عندهم لعدم الصبر، فلعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم.

وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن: 11] يعني: يهد قلبَه لليقين، فيعلمُ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال أَبو ظبيان: كنا عند علقمة، فقرئ عنده هذه الآية: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}, فسُئل عن ذلك فقال: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم) [تفسير الطبري: (28/79).] .

قال بعض الصالحين: تَرِدُ عليّ الأثقال – يعنى من المصائب والآلام – التي لو وضعت على الجبال تفسخت، فأضع جنبي على الأرض وأقول: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: 6]، ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني. وكان عطاء الخراساني رحمه الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول: (اللهم هب لنا يقيناً بك حتى تهون علينا مُصيباتِ الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يُصيبنا إلا ما كُتب علينا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا به).

فكم تمر علينا من المصائب والهموم والمنغصات في أنفسنا وأموالنا وأولادنا، وخير ما يستعان به على تخطي هذه المكدرات أن يُعمرَ القلبُ باليقين، ويُسَكَّن قَلَقُهُ بالإيمان المتين.

وإذا اقترنَ الصبرُ باليقين خرجَ منهما الإمامةُ في الدين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}[السجدة: 24].

 

6. الرضا بالرزق، فصاحب اليقين في راحة وسكون، يرضى بما قُسم له من الرزق، فلا يتضجر من وظيفته، أو متجره، أو حالته، أو يقارن بين نفسه وبين غيره ممن فاقه في المستوى المادي، بل هو مطمئن يعلم يقينا أن هذه أرزاق مقسومة كتبها الرزاق العليم.

عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم) [رواه ابن ماجة: (2144), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2742).] .

قال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين: (فشيئا هو لي، وشيئا لغيري، فأما ما كان لغيري، فلو طلبته بحيلة السماوات والأرض لم أصل إليه).

 

7. أنه يثمر صدق التوكل على الله تعالى، لأن الموقن بربه وبقدرته ورحمته يصدق في اعتماده عليه من خالص قلبه. قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ}[النمل: 79]، والحق هنا هو اليقين كما قال ابن القيم رحمه الله [مدارج السالكين: (2/398).] .

ولما أراد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في سنة 16 هـ أن يفتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى، حال بينه وبينها نهرُ دجلة، وقطع الفُرْسُ عليه الجسر، وأخذوا السفن؛ فنظر سعدٌ في جيشه، وخطبهم على شاطئ دجلة، وقال: ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحرِ إليهم، فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل. فأمرهم أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فاقتحم الماءَ، وخاض الناسُ معه، – قلوبٌ يملؤها اليقين – وعبروا النهرَ فما غرِق منهم أحدٌ، ولا ذهب لهم متاع، فعامت بهم الخيل وسعدٌ يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصُرَّنَ الله وليَّه، وليُظْهِرَنَّ الله دينه، وليهزمن الله عدوه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْيٌ أو ذنوب تغلب الحسنات [انظر: خبر القصة العجيب في البداية والنهاية: (10/ 8).] .

 

8. – ومن ثمرات اليقين -: أنه يسوق صاحبه سوقا إلى عمل الصالحات، والمسارعة والاجتهاد في الخيرات، لأنه يوقن بموعود الله دون تردد، فكأنه يرى جزاءَ الله له رأي العين، فأصحاب اليقين يمتطون العزائم، ويهجرون اللذات، فقطعوا المراحل، وطووا المفاوز.

قال سفيان الثوري: (لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحا وحزنا، شوقا إلى الجنة، أو خوفا من النار).

إن من أسباب ضعفِ الرغبة والانبعاث إلى العمل الصالح فرضا أو نفلا ضعفَ اليقين في كوامن القلب، وانظر مصداق ذلك عند الصدقة بالمال وصلاة الفجر وقراءة القرآن وغيرها. نعلم جميعا فضل صيام التطوع وثوابَه، لكننا نتردد ونكسل، فإذا نصحنا الطبيب بالصيام صمنا دون تردد خوفا من المرض.

 

9. ومن ثمراته: حصول الأجر الكبير على العمل إذا اقترن باليقين قال صلى لله عليه وسلم: سيد الاستغفار أن تقول : (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا به فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن به فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) [رواه البخاري: (6306). عن شداد بن أوس رضي الله عنه .] .

جاء في حلية الأولياء: (لما دفن عبد الله بن غالب أصابوا من قبره رائحة المسك قال فرآه رجل من إخوانه في منامه فقال يا أبا فراس ما صنعت قال خير الصنيع قال إلى ما صرت قال إلى الجنة قال بم قال بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر قال فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك قال تلك رائحة التلاوة والظمأ قال قلت أوصني قال اكسب لنفسك خيرا لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا فأنى رأيت الأبرار قالوا البر بالبر) [(6/248).] .

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

لعلنا نعطر الحديث ببعض أخبار أصحاب اليقين، ويأتي في مقدمهم الرسل الكرام، كنوح عليه السلام الذي صنع السفينة في اليابسة، وتحمل سخرية الناس منه يقينا بوعد الله، وإبراهيم الذي تحمل النار يقينا بنصر الله فجعلها عليه بردا وسلاما، ومن أصحاب رسول الله كثير سبق ذكر طرف من ذلك، ومن أولئك أبو طلحة الأنصاري، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبل المسجد وكان رسول الله صلى لله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}[آل عمران: 92]، قام أبو طلحة فقال: (يا رسول الله إن الله تعالى يقول : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وإن أحب مالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: “بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين”، فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه) [رواه البخاري: (1461), ومسلم: (998).] .

 

وأخرج البخاري وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى لله عليه وسلم أنه ذكر أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار – وهذا مبلغ كبير يعادل أربعة كجم وربع من الذهب – قال: ائتني بشهداء أشهدهم، قال: كفى بالله شهيدا، قال: ائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا – يعني المقترض- يقدم عليه للأجل الذي كان أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي له، فلم أجد مركبا، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، – وانظروا إلى الحرص على الوفاء بالدين، والثقة واليقين بالله – ثم انصرف ينظر وهو في ذلك يطلب مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه – يعني المقرض خرج في الموعد – ينظر لعل مركبا يجيء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال المقرض: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال المقترض: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدا [علقه البخاري في أماكن من ” صحيحه ” بصيغة الجزم (1498 و 2063 و 2291 و 2404 و 2430و2734 و 6261) ورواه أحمد: (8571). وصححه الألباني في الصحيحة: (2845).] .

 

عباد الله .. فلنلتفت إلى قلوبنا فإنها موضع نظر الرب، ولنعمرها باليقين الراسخ، الذي لا يخالطه شك، ولا يداخله تردد، ولنهنأ بعد ذلك بطيب العيش، وبرد اليقين، وذوق حلاوة الإيمان، ولذة المناجاة.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا، اللهم إنا نسألك قلبا سليما ويقينا جازما ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.