أحوال الناس في الدنيا
admin 21 مارس 2015 0 273

إن الحمد لله .. اتقوا الله ..

عباد الله .. يموج الناسُ في بحر هذه الحياة المتلاطم، يغدون ويروحون، يسعَون ويكدحون، يعقدون الآمال، وينسجون الأحلام، فهم في لجتها غارقون، وفي دوامتها مشغولون.

نعم ترى أحدَهم مشغولا بين دراسته أو وظيفته، ومع زوجته وأولاده، يبحث عن مصدر لزيادة دخله، ويفكر في امتلاك منزلِ الأحلام، وسيارةٍ تجذبُ الأنظار، والتخطيط للسفر، ومتابعة الجديد من الأجهزة، والترفيه عن النفس، والسهر مع الأصدقاء .. إلى غير ذلك من مشاغل الحياة.

والسؤال الذي يُطرح: هل من وقفة هادئة لمراجعة المسيرة، وتأمل الحال والمآل؟ وماذا بعد هذا؟.

لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضيةَ فقال: (كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو موبقها) [رواه مسلم: (223). عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه .]

إننا أمام معترك الحياة، وتسارعِ مضيها، ينبغي أن نكون من أصحاب العقولِ والقلوب الحية، وأن لا ننصهرَ في تلك البوتقةِ ونكونَ من الغافلين.

 

أين تسير؟ وماذا قدمت؟ وهل أنت مستعد للرحيل؟ وهل صدر منك شيء حرمه الله؟.

 

إياك أن تنخدعَ ببريق الدنيا وزخرفِها عن الحياة الباقية فتندم، حياتك الحقيقية هناك: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 23].

إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا *** فإنما الربح و الخسران في العمل

 

أيها الإخوة .. إذا أراد المسلم أن يُقَيِّمَ نفسه ويزنَها، ويعرف خسرانَها من ربحها، ويطمئنَ عليها في سيرها إلى ربها، فليعرضها على القرآن الكريم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “لا يسألْ أحدٌ عن نفسه غيرَ القرآن فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله”[(فضائل القرآن) لأبي عبيد ص21 ]

وهذه يا عباد الله آيةٌ منه، وهي قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32].

 جعل سبحانه القائمينَ بهذا القرآنِ علمًا وعملاً ثلاثةَ أنواع:

الأول: «ظالم لنفسه» وهو المفرط في بعض الواجبات، أو المرتكب لبعض المحرمات.

الثاني: «المقتصد» وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.

الثالث: «السابق بالخيرات» وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.

وكل من هؤلاء الثلاثة مسافرٌ إلى ربه، ومدةُ سفرِه هو عمرُهُ الذي كُتب له، ثم جُعلت الأيامُ والليالي مراحلَ لسفره، فلا يزالُ يطويها مرحلةً بعد مرحلة حتى ينتهيَ السفر.

فدعونا نتأملُ في هذه الأنواع الثلاثة، ثم نعرضُ أنفسنا عليها، لنرى أين نحن؟.

فأما الأول وهو: «الظالم لنفسه» فإنه يستقبلُ يومَه وقد سبقت حظوظُه وشهواتُه إلى قلبه فحركت جوارحَه طالبةً لها، فإذا زاحهما بحقوق ربه، فتارة وتارة، فمرة يأخذ بالرخصة، ومرة بالعزيمة، مرة يضعفُ فيقدمُ على الذنب تهاونًا ووعدًا بالتوبة؛ ومرة يقوى فيتركُ الذنب، ويبادرُ إلى الطاعة. وهو في الحالين قد حفظ التوحيدَ، وأركانَ الإيمان.

فهذا حال الظالمِ لنفسه، بين الربح والخسران، وهو للأغلب منهما.

 

وأما الثاني وهو: «المقتصد» فأدى وظيفةَ تلك المرحلة ولم يزد عليها ولا نقص منها، فلا حصل على أرباح التجار، ولا بخس الحق الذي عليه، فإذا استقبل أحدُهم مرحلةَ يومه استقبلها بالطهور التام، والصلاة التامة في وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته التي أذن الله فيها، مؤديًا واجب الرب فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار. فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول، فهو كذلك سائرَ يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى صلاته ووظيفته. فإذا جاء الصوم الواجبُ قام بحقه. وكذلك الزكاةُ الواجبةُ، والحجُّ الواجب. وكذلك المعاملةُ مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم، ولا يترك حقه لهم. فهذه حال المقتصد.

 

وأما الثالث وهم: «السابقون بالخيرات» فهم نوعان: أبرار، ومقربون.

أما «الأبرار»: فقطعوا مراحلَ سفرهم بالاهتمام بإقامة أمرِ الله، وعقدِ القلبِ على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفةٌ إلى القيام بالأعمال الصالحة، واجتنابِ الأعمالِ القبيحة فأولُ ما يستيقظُ أحدُهم من منامه يسبقُ إلى قلبه القيامُ إلى الوضوء التام والصلاةِ كما أمره الله في أول وقتها، فإذا أدى فرضَ وقتِهِ اشتغلَ بالتلاوة والأذكار إلى حينِ تطلعُ الشمس، فيركعُ الضحى، ثم يذهب إلى معاشه ومصالحه، فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول فأدى فريضته كما أمر، مكملاً لها بشرائطها، وأركانها، وسننها، وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرب، فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائرِ أحواله آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجدُ ثمرتَها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، وقلة التكالبِ والحرصِ على الدنيا وعاجلِها، قد نهته صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاءَ الله، ونفرته عن كل قاطعٍ يقطعُه عن الله، وهو مع ذلك مراعٍ لحفظ السنن لا يخل منها بشيء؛ ويواظب بعد الفريضة بالأذكار المشروعة. فإذا كان قبل غروب الشمس توفرَ على أذكار المساء الواردة في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار، لا يخل بذلك أبدًا. فإذا أخذوا مضاجعهم أخذوا بأذكار النوم الواردة في السنة، فلا يزالون يذكرون الله على فراشهم حتى يأخذَهم النوم.

وهم مع هذا قائمون بحقوق العباد: من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإجابة الدعوة، والمعاونةِ لهم بالجاه والبدن والنفس والمال، وزيارتِهم، وتفقدِهم، وقائمون بحقوق أهلهم وعيالهم.

فإذا وقع من أحدهم تفريطٌ في حق من حقوق الله بادر إلى الاعتذار والتوبة والاستغفار ومحوِهِ ومداواتِه بعملٍ صالح يزيلُ أثرَه. هؤلاء هم الأبرار.

 

وأما «السابقون المقربون» فهم قومٌ امتلأت قلوبُهم من معرفة الله، وغُمِرَت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، ما إن تفتحُ عيناه في جنح الظلام حتى يلهجَ بذكر الله بقلب منيب، ثم يقومَ إلى الوضوء، ثم يصليَ ما كتب الله له صلاةَ محبٍّ ناصحٍ لربه، متذلل منكسر بين يديه، يرى من أعظم نعم الله عليه أن أقامه وأنام غيرَه، وأهَّلَهُ وحرم غيره، يرى أن قرةَ عينِه وحياةَ قلبِه وجنةَ روحِه ونعمتَه ولذتَه وسرورَه في تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليله. ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية؛ فتجذب قَلْبَه وروحَه إليه آياتُ المحبة والوداد، ويهتزُ قلبُه بآيات التعظيم والثناء، وتقلقُه آياتُ الخوفِ والعدل والانتقام. فإذا صلى ما كُتب له جلس مطرقًا بين يدي ربه هيبةً له وإجلالاً، واستغفرَه استغفارَ من يتيقنُ أنه هالكٌ إن لم يُغفرْ له ويرحمه. فإذا طلع الفجرُ صلى السنةَ وابتهلَ إلى الله بينها وبين الفريضة، ثم ينهضُ إلى صلاة الصبح قاصدًا الصف الأول، فإن صلاة الفجر مشهودة، فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجهِ إليه بالأذكار التي شرعت أول النهار فيجعلُها وردًا له لا يخلُّ بها أبدًا، ثم يزيد عليها ما شاء الله من الأذكار الفاضلة، وتلاوة القرآن حتى تطلعَ الشمس.

ثم يقومُ متصرفًا في مرضاة ربه بقيةَ يومِه، حريصا على السنن فضلا عن الواجبات.

فهذا سلوكُ أهلِ النباهة والحزم، وهم أفرادٌ من العالم، وهو طريقٌ سهلٌ قريبٌ موصل آمن، أكثرُ السالكين في غفلة عنه.

فلا تسل عن حال هؤلاء ونعيمِهم في الدنيا، مع ما ينتظرهم في الآخرة.

 

عباد الله .. ويقابل هذه الأصنافَ الثلاثة صنفٌ آخرُ من الناس في هذه الحياة، وهم «الأشقياء» الذين قطعوا مراحلَ عمرهم سائرين إلى دار الشقاء، متزودين غضبَ الرب مصحوبين بالشياطين تسوقهم إلى منازلهم سوقًا حثيثًا، فتجد أحدَهم يصبحُ ويمسي على معصية الله وسخطه، نعوذ بالله من حالهم ومصيرهم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 35]

بارك الله ..


الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي أفاض على خلقه النعمةَ، وكتبَ على نفسه الرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من يردْ هدايتَه يشرحْ صدرَه للإسلام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله كما أرسلَ الرسلَ من قبله يدعون إلى دار السلام، ويحذرون من المعاصي والآثام. أما بعد:

 

عباد الله .. السائرُ إلى الله والدارِ الآخرة لا يتمُّ سيرُه ولا يصلُ إلى مقصوده إلا بعلمٍ وعمل، فبالعلم يبصرُ منازلَ الطريق، وبالعمل يسيرُ حقيقة، فكلما قطع منزلةً استعد لقطع الأخرى، واستشعر القربَ من المنزل فهان عليه مشقةُ السفر. وكلما كلَّت نفسُه من السير وعدها قربَ التلاقي وبرد العيش. والدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضعُ أحدُكم أصبعَه في اليم (يعني في البحر) فلينظر بم يخرج» [رواه مسلم (2858) عن الْمُسْتَوْرِدَ رضي الله عنه .]

نسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ *** وأعمارُنا تُطوى وهنَّ مراحلُ
ترحَّل من الدنيا بزادٍ من التقى *** فعمرُك أيامٌ وهن قلائلُ

 

فالله الله – عباد الله – لا ننقطع في المفازة، ولا ننشغل عن الاستعداد ليوم المعاد، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، وعند الصباح يحمدُ القومُ السُّرَى.

{فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: 11].

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.