الإيمان بالله (2) (توحيد الربوبية)
11 ديسمبر 2015

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

فإن الإيمان بالله أصلٌ أصيل في دين الإسلام، وهو أفضل الأعمال، ومعناه أن تصدق تصديقا جازما بوجود الله، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته. فإذا جمعت هذه الأربع فأنت مؤمن بالله حقا وصدقا.

وسبق الحديثُ عن الإيمان بوجود الله، وأنه أمر فطري، وتفنيدُ فكرةِ الإلحاد، والسبيلُ في دفعها ورفعها إذا وجدت بين المسلمين.

واليوم نحلق في فضاء الدرجة الثانية من درجات الإيمان بالله: الإيمانُ بربوبيته، وتوحيدُه بها، علنا نترقى في مدارج الكمال، لتحصيل أعظم المطالب، وأجلِّ المواهب، فتطمئن النفوس، وتنشرح الصدور، وتطيب الحياة.

توحيد الربوبية معناه: أن توحد الله تعالى بأفعاله. فتقر إقرارا جازما بأن اللهَ ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنه الخالق لا خالق سواه، وأنه المحيي المميت، الرزاقُ ذو القوة المتين، يدبر الأمور، ويشفي المرضى، ويرسل الرياح، وينزل الأمطار، وغير ذلك من أفعال الله، توحده بها، فلا شريك له في هذه الأفعال، ولا نظير ولا منازع.

فهذا المعنى يسميه العلماء: توحيدَ الربوبية، والتوحيد العلمي، وتوحيد المعرفة والإثبات.

والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبِّر، والمربي.

ولا يطلق إلا على الله، ويجوز إطلاقه على غيره مضافا، كأن يقال: رب الدار، ورب الدابة.

لقد تظافرت الأدلة على إثبات هذا النوع من التوحيد، قال تعالى: (الْحَمْدُ للهِ رَبَ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2]، وقال جل وعلا: (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف:54] والأمر هو التدبير، فتدبير الأمور وتصريفُها لله وحده لا شريك معه. وقال ربنا تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النحل:70 ].

إن الإيمان بربوبية الله تعالى أمرٌ مركوزٌ في الفطر، جبلت عليه، كما قال صلى لله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة…)[رواه البخاري (1385), عن أبي هريرة رضي الله عنه.]، ولذا كان أهل الجاهلية مقرين به في الجملة، كما قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت:61 ].

ومن الأدلة عليه أيضا: دلالة الأنفس والآفاق، كما قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت:53 ] (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [الذاريات:21 ].

فلو تأمل الإنسان في نفسه وما حوله في هذا الكون الفسيح، لخشعت جوارحه، واقشعر جلده، إيمانا بالخالق المبدع.

لله في الآفاق آياتٌ لعل *** أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته *** عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناكا
والكون مشحونٌ بأسرار إذا *** حاولت تفسيراً لها أعياكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى *** يا شافي الأمراض: من أرداكا؟
قل للمريض نجا وعوفي بعد ما *** عجزت فنون الطب: من عافاكا؟
قل للصحيح يموت لا من علة *** من بالمنايا يا صحيح دهاكا؟
قل للجنين يعيش معزولا بلا *** راع ومرعى: مالذي يرعاكا؟
وإذا ترى الثعبانَ ينفث سمَّه *** فاسأله: من ذا بالسموم حشاكا؟
وأسأله كيف تعيش ياثعبان أو *** تحيا وهذا السم يملأ فاكا؟
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت *** شهداً وقل للشهد: من حلاَّكا؟
بل سائل اللبن المصفى كان بين *** دم وفرث مالذي صفاكا؟
وإذا رأيت النار شب لهيبُها *** فاسأل لهيب النار: من أوراكا؟
وإذا رأيت الليل يغشى داجيا *** فاسأله : من يا ليل حاك دجاكا؟
وإذا رأيت الصبحَ يُسفر ضاحياً *** فاسأله: من يا صبح صاغ ضحاكا؟
هذي عجائبُ طالما أخذتْ بها *** عيناك وانفتحت بها أذناكا!
يا أيها الإنسان مهلا مالذي *** بالله جل جلاله أغراكا؟

لا إله إلا الله، ربنا وخالقنا ومدبر أمورنا.

 

عباد الله .. لما كان هذا التوحيد متقررا في الفطر، لم ينشغل الرسلُ بالدعوة إليه، (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) [إبراهيم:10 ]، ولذا لم ينكرْ توحيدَ الربوبية أحدٌ من البشر، إلا طائفة من المكابرين المعاندين، وكان إنكارهم بألسنتهم مع اعترافهم بذلك في قرارة أنفسهم، ومن أشهر أولئك فرعون؛ الذي قال لقومه: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) [النازعات:24 ]، لكنه كان موقنا بخلاف ذلك، كما قال الله عنه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) [النمل:14 ]، وخاطبه موسى صلى لله عليه وسلم فقال له: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) [الأسراء:102].

عباد الله .. ومما ينبغي أن يعلم أن ربوبيةَ الله على خلقه نوعان:

1- الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خَلْقُه للمخلوقين، ورزقُهم، وتدبير أمورهم.

2- الربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.

ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة.

 

عباد الله .. ومن فهم هذا التوحيد وحققه، فهنيئا له ما يجنيه من ثمرات وخيرات.

إن المؤمن إذا أيقن أن له ربّاً خالقاً هو الله تبار ك وتعالى، وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكُه، وهو مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض؛ أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، وقرت عينه به، ولم تزلزله الأعاصير والفتن.

فهو متعلق بهذا الرب المتصفِ بصفات الربوبية، يجلُّه ويعظمه، يتوجه إلى ربه بالدعاء والالتجاء، وإذا تذكر عظمته وأفعاله أورث له ذلك خوفا وخشية وحياء من هذا الرب أن يعصيه ويخالف أمره. وإذا تذكر إحسانه وكرمه في أفعاله حركه الشوق، وامتلأ قلبه محبة لهذا الرب، وانبعثت الجوارح تتسابق في طاعته وعبادته. فمن رضي بهذا الرب نال كل خير، قال صلى لله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربَّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً)[رواه مسلم: (34), عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه.].

ومن ثمرات هذا التوحيد والإيمان: أن الإنسان إذا علم أن الله هو الرازق، وآمن وأيقن أن خزائن السموات والأرض بيد الله تعالى، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع؛ قطع الطمعَ من المخلوقين، واستغنى عما بأيديهم، وانبعث إلى إفراد الله بالدعاء والإرادة والقصد، فطاب عيشُه، واطمأنت نفسه.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

أيها الناس .. كما يقع الشرك في توحيد العبادة، فقد يقع في توحيد الربوبية، ومن صور ذلك:

اعتقاد النفع والضر في شخص ما، أو مخلوق من المخلوقات. كمن يعتقد أن فلانا يستطيع أن ينفع بأمر من أفعال الله تعالى، كشفاء المريض، أو جلب الذرية للعقيم، أو حصول الرزق للفقير، أو إنزال المطر، ودفع الخطر، ونحو ذلك.

 

ومن الشرك في الربوبية: ما يعتقده بعض الصوفية في أقطابهم ورؤوسهم أن لهم تصرفا في الكون، وتدبيرا فيه مع الله.

ومن ذلك أيضا: اعتقاد مشرع مع الله عز وجل، لأنه هو الرب وحده، وربوبيته شاملة لأمره الكوني والشرعي.

ومن ذلك أيضا: من يعتقدون تأثير النجوم والكواكب والأسماء والأبراج، ويقولون مثلا: من ولد في البرج الفلاني أصابه كذا، والنجم الفلاني سبب مؤثر بذاته في نزول الأمطار.

وممن ضل في هذا التوحيد: فرقة النصيرية، القائلين بألوهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وينسبون إليه أفعالا لا تصح إلا لله تعالى من الخلق وغيره، وهي فرقة باطنية من غلاة الشيعة، جمعت عقيدتها من أفكار وثنية، وبعض المذاهب الفلسفية والمجوسية.

سئل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أهل الشام قد خبرهم وعرفهم، فقال: (هَؤُلاءِ ‏‏الدُّرزِيَّةُ‏ وَ‏النُصَيرِيَّةُ‏ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسلِمِينَ، لا يَحِلُّ أَكلُ ذَبَائِحِهِم وَلا نِكَاحُ نِسَائِهِم .. وَضَرَرُهُم عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى لله عليه وسلم أَعظَمُ مِن ضَرَرِ الكُفَّارِ المُحَارِبِينَ)جموع الفتاوى: (35/161).[جموع الفتاوى: (35/161).]

اللهم ..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *