كثرة طرق الخير
22 نوفمبر 2015

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

عباد الله .. كم تنشرح النفس وتقر العين حين تسمع كلمة (الخير)، فهي كلمة واسعة الدلالة، عظيمة الأثر. الخير يجتمع الناس جميعا على حبه والدعوة إليه والثناءِ على فاعله.

إن عمل الخير – سواء كان قولا أو فعلا – مقصدٌ شرعي، ومطلبٌ إنساني، وهو من أسباب القرب من الله، وتحصيل الأجور والدرجات، وانشراح الصدور وسعتها، ودفع الهموم والأحزان.

أمَرَ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بفعل الخير، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] ، بل حثهم على المسابقة فيه، فقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] ، وبين جل وعلا أن كل عمل خير مهما كان صغيرا أو حقيرا فإنه يعلمه، فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [النساء: 127] .

أيها الأحباب .. لقد بين الله تعالى في كتابه وأصَّل قاعدة أصيلة مفيدة في عمل الإنسان، وذلك في الآية الفاذة الجامعة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزة: 8] ، نعم كل ما تعمله من خير ولو كان وزن ذرة تراه أحوج ما تكون إليه في الآخرة.

وحينما يطرق عمل الخير يعتقد البعض ويسبق إلى ذهنه تلك الأعمالُ الكبيرة من الصدقات الكبيرة وبناء المساجد وكفالة الأيتام وعلاج المرضى من الفقراء فحسب، وهذا ضيق في الأفق، وتحجير لما وسعه الله. فالعمل الصالح واسعٌ ميدانه شامل عنوانه، ينتظم أعمالَ القلوب والجوارحِ من الأقوال والأعمال والمقاصد في الظاهر والباطن.

إن من المداخل التي يتسلل منها الشيطان علينا أنه يصرفنا أو يزهدنا في صغائر العمل، وأن مقامك وطموحك في معالي الأمور، فيتقاصر أحدنا عن المعالي، ويأنف مما يعده صغيرا من أعمال الخير والبر، وتمضي الأيام، وتطوى الأعوام، والإنتاج ضعيف، فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا.

أيها الإخوة .. دعونا نخوض هذا البستان – بستان الخيرات – نتفيأ في ظلاله، ونرتوي من نميره، ونشم من عبيره، ونقلب في خبايا كتب السنة الصحيحة عن هذه الثمار اليانعة، والأزهار الرائعة.

عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى لله عليه وسلم قَالَ: (يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى منْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأمْرٌ بِالمعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ، وَيُجزِئ مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى) [رواه البخاري: (2989), ومسلم: (720) واللفظ له.] . (السُّلامَى): المفصل.

حينما ترطب شفتيك بتسبيحة وتحميدة وتهليلة وتكبيرة فأنت في صدقات لا تكلفك جهدا، ولا تنقصك مالا.

وعن عائشة رَضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله صلى لله عليه وسلم: (إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسان مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وثلاثمئة مفْصَل، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وحَمِدَ الله، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ الله، وَاسْتَغْفَرَ الله، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَريقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظماً عَن طَريقِ النَّاسِ، أَوْ أمَرَ بمَعْرُوف، أَوْ نَهَى عَنْ منكَر ، عَدَدَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمئَة فَإنَّهُ يُمْشِي يَومَئِذٍ وقَدْ زَحْزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ) [ رواه مسلم: (1007).] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى لله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِد أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) [رواه البخاري: (662), ومسلم: (669).] .

والنُّزُلُ: القوت والرزق وما يُهيأُ للضيف.

واستمعوا عباد الله إلى هذه القصة النبوية، التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له) قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر) [ رواه البخاري: (2363), ومسلم: (2244).] .

الله أكبر .. شَكَرَ اللهُ العظيم الجليل لهذا الرجل، ومنحه مغفرتَه التي يتنافس عليها المتنافسون مقابل ماذا؟ هل قاتل في سبيل الله حتى ذهبت روحه؟ كلا، وإنما من أجل حفنة ماء ملء الخف ليسقي بها كلبا من الكلاب!.

واستمع أيها الحبيب إلى هذا الخبر العجيب: عن أبي هريرة عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) [رواه مسلم: (1914).] .

وفي لفظ في الصحيحين: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له) [ رواه البخاري: (652), ومسلم: (1914).] . الشكر من الله والمغفرةُ والجنةُ لهذا الرجل مقابل ماذا؟

أزاح غصن شوك يؤذي الناس من طريقهم، فما أعظم فضل الله، وما أوسع أبواب الخير.

إن عجزنا عن مكابدة الليل، وصيامِ النهار، والجهادِ في سبيل الله لتكفير ما بدر من تقصيرنا وخطايانا، فثمة باب يسير من أبواب الخير يحصل به المراد في تكفير صغائر الذنوب، أخبر أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رَسُول الله صلى لله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ، أَو المُؤمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَينيهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَة كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مشتها رِجْلاَهُ مَعَ المَاء أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ) [ رواه مسلم: (244).] . لئن كان الماء ينظف البدن من الأوساخ فإن ماء الوضوء يطهر من أوساخ الذنوب.

ومن أعمال الخير اليسيرة التي رتب عليها أجور كثير: المشي إلى المسجد، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم : (من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب له حسنة ذاهبا وراجعا) [رواه أحمد: (6599), وابن حبان: (2039), وحسنه الألباني في صحيح الترغيب: (299).] .

 

أيها الإخوة .. ومن النصوص التي استوقفتني كثيرا في هذا الباب ما رواه عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاصِ رَضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى لله عليه وسلم: (أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاَهَا مَنيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَة مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابِهَا وتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلاَّ أدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ) [رواه البخاري: (2631).] . الله أكبر .. هذه أربعون خصلة من خصال الخير أبهمت ولم يبين منها إلا أعلاها، وهي مَنيحَةُ العَنْزِ، والمَنيحَةُ: أنْ يعيرها لغيره لينتفع بلَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ. فهو لم يتصدق بالعنز وإنما أعارها لغيره ليستفيد من لبنها ثم يردها إليه كما هي، هذا العمل أعلى أربعين خصلة، يعني أن بقية الأربعين أقلُّ شأنا منها، من عمِل بخصلة منهن رَجَاءَ ثَوَابِهَا وتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، أدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ، فإذا كانت الخصلة العليا زهيدة في نظر الناس فكيف بالثانية والثالثة، بل كيف بالأربعين. حاصل هذا ألا تحتقر شيئا من أعمال الخير وخصال البر.

أيها الإخوة .. لا يخلو أحدنا أن استوقفه شخص في يوم من الأيام يستوصفه عن طريق أو معلم ما، لكن من يحتسب عمل هذا الخير ويعلم أنه صدقة في الإسلام، ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (دلُّ الطريق صدقة) [رواه البخاري: (2734). عن أبي هريرة رضي الله عنه .] .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة) [ رواه الترمذي: (1956), وصححه الألباني في الصحيحة: (572).] .

عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) [ رواه الترمذي: (3464), وصححه الألباني في الصحيحة: (64).] . ما أسهل أن تعمر لك بستانا من النخيل في خمس دقائق، وكم يفوت من النخيل على أصحاب النوم الثقيل والعبث الطويل.

أيها الإخوة .. إن الأمثلة والشواهد على هذا الباب كثيرة جدا يصعب حصرها، لكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن المهم أن نقرر بعض القواعد المهمة هنا، ومنها:

1. لا تَحْقِرنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئاً مهما صغر أو قل. وهذه وصية نبوية، عن أبي ذر رضي الله عنه قَالَ : قَالَ لي النَّبيّ صلى لله عليه وسلم: (لا تَحْقِرنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئاً وَلَوْ أنْ تَلقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلقٍ) [رواه مسلم: (2626).] .

وقال صلى لله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تعطي صِلَةَ الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض) [رواه أحمد: (15955), وقال محققو المسند: إسناده صحيح. عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ … فذكره.] .

2. المبادرة والمسارعة: قال خالد بن معدان: إذا فتح لأحدكم باب خير فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه. وقال ابن القيم – رحمه الله -: “إذا حضرت للرجل فُرصةُ القُربة والطاعة، فالحزمُ كُلُّ الحزم في انتهازها، والمبادرةِ إليها، والعجزُ في تأخيرها، والتسويفِ بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعةُ الانتقاض قلَّما ثبتت، والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له” [ زاد المعاد: (3/574).] .

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

3. تذكر أن كل عمل خير ستجد نفعه أحوج ما تكون إليه، فهذا مما يبعث في النفس العزم والحماس في عمل الخيرات، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزة: 8] .

والنـــــاس همهــــــم الحيــــــــــاةَ ولا أرى *** طولَ الحياة يزيد غيرَ خبــــــــــالِ
وإذا افتقرتَ إلى الذخائر لم تجد *** ذخرا يكون كصالح الأعمالِ

 

4. الاجتهاد في فعل الخيرات كما وكيفا، فالنفس بطبعها تميل إلى الدعة والراحة والتسويف، لكن الحازم من يأطرها على عمل الخير، ويسوقها إليه، ويجاهد نفسه وهواه وشيطانه الذين يصدونه عن فعل الخيرات، ومن جاهد نفسه بنية صالحة فليبشر بالهداية، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] .

قال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئا. علق الذهبي فقال: كانت أوقاته معمورة بالتعبد والأوراد.

أبواب الخير كثيرة، وهي متاحة ويسيرة، والأعمار قصيرة، فالغنيمةَ الغنيمة قبل قدوم اللحظة الأخيرة.

يا رجال الليل جدوا *** رب داع لا يــــــــــــــرد
ليس شــــــــــيء كقيام *** الليل للقبر يعـــــــــــــد

 

المبادرةَ والمسابقة والمسارعة قبل هجوم الأجل، وانقطاع العمل.

باب الله مفتوح، وفضله ممنوح، وعطاؤه يغدو ويروح، فأين العاملون وفي أبواب الخير متسابقون {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] .

استَكثِروا من فعْل الخيرات، وسابقوا إلى عمل الطاعات، واملأوا صحائفكم بالباقيات الصالحات. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات.. اللهم أعنا على ذكرك .. اللهم إنا نسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه ..اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *