فضائل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم
21 نوفمبر 2015

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

فإن الله تعالى اصطفى من خلقه خيرتَهم فجعلهم أنبياءَ ورسلاً يبلغون دينه إلى الناس، واصطفى من أولئك الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى منهم محمدا صلى لله عليه وسلم، فهو خيار من خيار من خيار، وقد قضى الله أن يكون لكل نبي أصحابٌ يؤازرونه ويتبعونه، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريونُ وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ..) [ رواه مسلم: (50).] .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنَّ الله نظر في قلوب العِباد فوجد قلبَ محمَّد صلى لله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثمَّ نظر في قلوب العِباد بعدَ قلب محمَّد صلى لله عليه وسلم فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العِباد، فجعلهم وُزراءَ نبيِّه، يقاتلون على دينه” [رواه أحمد: (3600), وحسنه الألباني في الضعيفة: (2/17).] .

إن الصحابي في اصطلاح أهل العلم: هو كل من لقي النبي صلى لله عليه وسلم مؤمنا ومات على ذلك.

أثنى عليهم ربنا في كتابه وزكاهم، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 10] ، وهم خير الناس، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ..) [رواه البخاري: (2651), ومسلم: (2533).] .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال النبي صلى لله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) [رواه البخاري: (3673), ومسلم: (2540).] .

وقد قرر أئمةُ الإسلام وأكدوا هذه المكانةَ الرفيعة لأصحاب النبي صلى لله عليه وسلم وسردوا النصوص والآثارَ الكثيرةَ في تقريره، والتحذيرِ من تنقصهم أو القدح فيهم.

والصحابة هم نقلة الدين إلى الأمة، فإذا قُدح فيهم قُدِح فيما نقلوه، وهو الكتاب والسنة.

قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: “إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى لله عليه وسلم فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صلى لله عليه وسلم عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا القُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسولِ اللهِ صلى لله عليه وسلم، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ” [رواه الخطيب في الكفاية: (49).] .

 

عباد الله .. وإن كان أهل البدع لا يتورعون عن ثلب أصحاب النبي صلى لله عليه وسلم وسبهم بكل نقيصة، كما يفعله الرافضة، فإن العجب أن يقع بعضُ أهل السنة في هذا المزلق العظيم، والمرتع الوخيم، وذلك فيما ظهر في بعض الفضائيات من قدح في أحد أصحاب النبي صلى لله عليه وسلم، وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، حتى وصل البلاء أن لُمز هذا الصحابيُ في صحيفة من صحفنا المحلية، وهذه مخالفة شرعية ونظامية لا يسكت عليها.

إن معاوية بن أبي سفيان صحابيٌ ابنُ صحابي، واسم أبيه: صخر بن حرب، وأخته أم حبيبة بنتُ أبي سفيان صحابيةٌ، وهي إحدى زوجات النبي صلى لله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين، ولذا يسمى معاوية: خالَ المؤمنين.

معاوية من أصحاب النبي الكريم، وكاتبُ وحي الله الأمين، وأحدُ خلفاء المسلمين، الخليفة والملك القائد، صاحبُ الفتوحات الإسلاميَّة، والقائد المحنَّك، وداهيةُ زمانه، الحليم الوقور.

دعا له النبي صلى لله عليه وسلم بدعوات عظيمة، في الحديث عن عبد الرحمن بن أبي عُمَيرة رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهديًّا، واهدِ به) [ رواه الترمذي: (3842), وصححه الألباني في الصحيحة: (1969).] .

وعن العِرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى لله عليه وسلم يقول: (اللهم علّم معاويةَ الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب) [رواه أحمد: (17152), وصححه بشواهده الألباني في الصحيحة: (3227).] .

وعن أم حرام الأنصارية رضي الله عنها، أنها سمعت النبي صلى لله عليه وسلم يقول: (أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا) [ رواه البخاري: (2924).] ، أي فعلوا فعلا وجبت لهم به الجنة [الفتح: (6/ 103).] .

قال المهلّب بن أبي صفرة: “في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أولُ من غزا البحر” [المرجع السابق: (6/102).] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: “إن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمّره النبي صلى لله عليه وسلم كما أمّر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتّهمه النبي صلى لله عليه وسلم في كتابة الوحي، وولاّه عمر بن الخطاب الذي كان أخبرَ الناس بالرجال” [مجموع الفتاوى: (4/ 472).] .

كانت خلافة معاوية خيرًا للمسلمين؛ انطفأتِ بها الفِتنة، واجتمع المسلمون على رايةٍ واحدة، وعادتِ الفُتوحات، وسار معاوية رضي الله عنه سِيرةً حسنة بالناس، وفي عهده اشتهر ما يُسمَّى بالصوائف والشواتي، وهي غزوة الشِّتاء والصيف.

روى عن رسول الله صلى لله عليه وسلم أحاديثَ كثيرة مسطرةً في كتب الحديث.

شَهِد حنينًا، وشهد اليمامة، وكان رضي الله عنه عاقلاً في دُنياه، حسنَ التدبير، عاقلاً حكيمًا، فصيحًا بليغًا، وكان كريمًا باذلاً للمال يَحلُم في موْضع الحِلم، ويشتدُّ في موضع الشِّدة، إلاَّ أنَّ الحلم كان أغلبَ عليه، وكان يُضرب بحلمه المَثل.

قال قبيصةُ بن جابر: “صحبتُ معاويةَ، فما رأيتُ رجلاً أثقل حِلمًا، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناةً منه”.

وقال ابن أبي مليكة: قيل لابن عباس: “هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب إنه فقيه” [رواه البخاري: (3765).] .

قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “يذكرون كِسرى وقيصر ودَهاءَهما، وعندكم معاوية!” [ الكامل في التاريخ: (5/125).] .

وقال ابن المبارك رحمه الله: معاوية عندنا مِحنة – أي موضع امتحان -؛ فمَن رأيناه ينظر إليه شَزرًا اتهمناه على القوم؛ يعني: الصحابة.

وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ رحمه الله: “مُعَاوِيَةُ بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةِ البَابِ، مَنْ حَرَّكَهُ اتَّهَمْنَاهُ عَلَى مَنْ فَوْقَه”.

وقال أَبو تَوْبَةَ الحَلَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: “مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سِتْرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى لله عليه وسلم فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ”.

سُئل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل: معاويةُ بن أبي سفيان، أم عمرُ بن عبد العزيز؟ فقال: والله إنَّ الغُبارَ الذي دَخَل في أنف معاويةَ مع رسول الله صلى لله عليه وسلم أفضلُ مِن عُمرَ بألف مرَّة؛ صلَّى معاوية رضي الله عنه خَلفَ رسول الله صلى لله عليه وسلم فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربَّنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟!.

عباد الله .. إن الطعن في معاوية طَعْنٌ في وظيفته التي عينه النبي صلى لله عليه وسلم فيها، وهي كتابة الوحي، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الطَّعْنَ فِي النَّبِيِّ صلى لله عليه وسلم؛ إِذْ كَيْفَ يَأْتَمِنُ عَلَى كِتَابَةِ وَحْيِ اللهِ تَعَالَى مَنْ لاَ يُوثَقُ فِيهِ؟!.

والطَّعْنُ فِي مُعَاوِيَةَ طَعْنٌ فِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ اللذين ولاياه الشامَ كلَّها، وَاتِّهَامٌ لَهُمَا بِأَنَّهُمَا قَدْ غَشَّا الأُمَّةَ وَلَمْ يَنْصَحَا لَهَا، وَالطَّعْنُ فِي مُعَاوِيَةَ طَعْنٌ فِي الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ؛ لِأَنّهُ سَلَّمَهُ الخِلَافَةَ، وقد أَثْنَى النبي صلى لله عليه وسلم عَلَى فِعْلِ الحَسَنِ، وَبَشَّرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ صلى لله عليه وسلم: (إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) [رواه البخاري: (2704). ] .

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

عبادَ الله: إن مما ينبغي على كلِّ مسلم سلامةَ الصدر لأصحاب النبي صلى لله عليه وسلم وعدمَ الخوض فيما دار بينهم، فلا نخوض فيما شَجَر بينهم؛ بل نتولاَّهم جميعًا ونترضَّى عنهم؛ قال سبحانه: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [ الحشر: 10] .

سُئل عمر بن عبد العزيز عمَّا وقع بين الصحابة مِن فتنٍ وحوادثَ وحروب، قال: “تلك دماء سلَّم الله منها يدي، فلا أحب أن أخضب بها لساني”.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: “ومِن السُّنَّة ذِكْرُ محاسن أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم كلِّهم أجمعين، والكفُّ عن الذي شَجَر بينهم، فمن سبَّ أصحاب رسولَ الله صلى لله عليه وسلم أو واحدًا، فهو مبتدعٌ رافضي، حبُّهم سُنَّة، والدُّعاء لهم قُربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فَضيلة” [ السنة للإمام أحمد: (ص17).] .

اللهم ..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *