قضاء الحوائج
21 نوفمبر 2015

إن الحمد لله .. اتقوا الله ..

إن من حكمة الله في خلقه أن خلق الناس متفاوتين في منازلهم، فقد فاضل بين عباده في الجاه والمنصب والشرف والمال والعلم وغير ذلك، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] ، وسخر بعض خلقه لبعض {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّ} [الزخرف: 32] , فالناس درجاتٌ ومنازل ليكون بعضهم مسخرا لبعض، فهذا غني وذاك فقير، وهذا قوي وذاك ضعيف، وهذا وجيهٌ يشار إليه وذاك مغمور لا يؤبه به، ولأجل هذه السنةِ الربانية والآية الكونية؛ كانت هناك خصلةٌ شرعية وهي الحث على التعاون والتكافل، والسعي في نفع الناس وقضاء حوائجهم.

قال الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) [رواه مسلم: (2699).] .

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [ رواه البخاري: (2442), ومسلم: (2580).] .

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه [رواه البخاري: (481), ومسلم: (2585).] .

إن خدمةَ الناس وقضاء حوائجهم خلقُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا موسى الكليم صلى لله عليه وسلم لما ورد ماء مدين وجد عليه جماعة من الناس يسقون مواشيَهم، ووجد من دون تلك الجماعة امرأتين منفردتين عن الناس، تحبسان غنمَهما عن الماء; لعجزهما وضعفهما عن مزاحمة الرجال، فسقى لهما وقضى حاجتهما.

 

وأما نبينا صلى لله عليه وسلم فله القدح المعلى، كما وصفته زوجه خديجة رضي الله عنها فقالت: إنك لتصل الرحم وتحمل الكلَّ – وهو العاجز الذي لا يستقل بأمره – وتكسب المعدوم – وهو الفقير – وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق [رواه البخاري: (3), ومسلم: (160).] .

بل كان لا يمنعه عن ذلك نزول مرتبة صاحب الحاجة، فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجته [رواه مسلم: (2326).] .

إن خدمةَ الناس وقضاءَ حوائجهم والسعيَ في مصالحهم خلقٌ كريم حض عليه الإسلام، وهو يدل على كرم النفس، وطيب المعدن، وجميل الخلق، ومن نعم الله على العبد أن يجعله مفتاحا للخير، عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (إن هذا الخير خزائنُ، ولتلك الخزائنِ مفاتيحُ، فطوبى لعبد جعله الله عز وجل مفتاحا للخير مغلاقا للشر، وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير) [رواه ابن ماجه: (238), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (4108).] .

ومن فضل الله على بعض خلقه أن يسره لقضاء حوائج العباد بنفس راضية وصدر منشرح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم) [رواه الطبراني في الأوسط: (5162), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2164).] .

حث الشرع على خدمة الناس وتقديم المساعدة لهم والسعي في قضاء حوائجهم، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى لله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى لله عليه وسلم ما شاء) [ رواه البخاري: (1432).] .

وإن من الأحاديث الجليلة في هذا الباب والتي تتطلب التأمل والتوقف ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ فقال صلى لله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشفُ عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطردُ عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام) [رواه الطبراني في الأوسط: (6026), وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج: (36) واللفظ له, وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (176).] .

عمل المعروف من أسباب دفع ميتة السوء، كما قال صلى لله عليه وسلم (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) رواه الطبراني وحسنه الألباني، وفي الآخرة يأتيه المعروف والخير لأنه من أهل المعروف كما قال صلى لله عليه وسلم: (أهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة) [رواه البخاري في الأدب المفرد: (223, 223), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2031).] .

بل أعلن النبي صلى لله عليه وسلم إعلانا عاما فقال: (كل معروف صدقة) [رواه البخاري: (6021), ومسلم: (1005). عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.] ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “من مشى بحق أخيه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة” [رواه ابن حرب في البر والصلة: (319).] .

وإن الإحسان إلى الناس وقضاءَ حوائجِهم من أسباب انشراح الصدر وسرور النفس، يقول ابن القيم – رحمه الله -: “ومن أسباب شرح الصدر: الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدراً، وأطيبُهم نفساً، وأنعمُهم قلباً” [زاد المعاد: (2/25).] .

 

اقض الحوائج ما استطعت *** وكن لِهمِ أخيك فارج
فلخير أيام الفتى *** يوم قضى فيه الحوائج

 

وقد ضرب سلف الأمة أمثلةً عجيبة، ونقلت في ذلك أخبار وحكايات يضيق المقام عن سردها، فمن ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعاهد الأرامل، يسقي لهن الماء ليلاً. وقال حكيم بن حزام: ما أصبحت وليس ببابي صاحبُ حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها [رواه الأصفهاني – قوام السنة – في الترغيب: (1183).] .

وكان أبو وائل رحمه الله يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يُصلحهن.

وكان علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله يحمل الخبز إلى بيوت المساكين في الظلام، فلما مات فقدوا ذلك، فقد كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل.

وكان زبيد بن الحارث إذا كانت الليلة مطيرة أخذ شعلة من النار فطاف علي عجائز الحي فقال: أوكف عليكم بيت – يعني دخله المطر من أعلى-، أتريدون نارا، فإذا أصبح طاف على عجائز الحي فقال: ألكم في السوق حاجة؟ أتريدون شيئا؟.

وقال ابن القيم رحمه الله: كان شيخ الإسلام يعني ابن تيمية يسعى سعيا شديدا لقضاء حوائج الناس.

 

وأفضل الناس ما بين الورى رجلُ *** تُقضى على يدهِ للناس حاجاتُ
لا تمنعن يد المعروف عن أحد *** ما دمت مقتدراً فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذا جعلت *** إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات

 

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة .. ونحن نتحدث عن هذا الموضوع فإن الحاجة ماسة إلى التنبيه والتوضيح لبعض النقاط حوله، فمن ذلك:

1. إن قضاء حوائج الناس ونفعَهم معنى واسع قد يحجره البعض، فيشمل نفعَهم بالمال والخدمة والعلم والشفاعة الحسنة والرأي والنصيحة والمشورة. وإن الأمر يتأكد حينما تشتد الحاجة لقضاء الحاجة وذلك في صورة الضعفاء كالمرأة واليتيم وكبير السن والغريب المنقطع كحال بعض العمال الأعاجم الذين تضيق بهم الحيل في بعض الظروف والأحوال.

فكم يحتاج مثل هؤلاء إلى يد حانية، ونفس راضية، تقبل عليهم وتقضي حاجاتهم وتسعى في قضاء مصالحهم.

2. من سعى لأخيه فلم تقض حاجته أو ردت شفاعته فلا يحزن ولو عظم قدره، فقد ردت امرأةٌ شفاعة النبي صلى لله عليه وسلم ، وذلك في قصة بريرة مع زوجها مغيث الذي كان عبدا ويحب زوجته ويريدها، فذهب النبي صلى لله عليه وسلم إلى بريرة وقال لها: لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟، قَالَ: إِنَّمَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ [رواه البخاري: (5268).] .

3. من أعظم ما يفسد المعروف المنُّ به وذكره عند الناس، فالمنة تهدم الصنيعة، والمعروف لا يتم إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجله هنأه، وإذا صغَّره عظمه، وإذا ستره تممه. قال رجل لابن شبرمه: “فعلت بفلان كذا وكذا، وفعلت به كذا فقال: لا خير في المعروف إذا أحصي”. وقال بعض الحكماء: “اثنتان لا تذكرهما”: إحسانك إلى الناس، وإساءة الناس إليك.

4. – وهو في غاية الأهمية-، وهو محذور من المحاذير يكثر في قضاء حوائج الناس والشفاعة لهم ينبغي التنبه والتنبيه عليه: الشفاعة في أمر محرم، أو في اقتطاع حق امرئ مسلم، أو في إلحاق الضرر به أو غيره، أو في تقديم المؤخر، أو تأخير المقدم، فهذه الشفاعة أو ما يسمى في عرف الناس (الواسطة) تكون محرمة في مثل هذه الصور لما يترتب عليها من الظلم والضرر والغش، كمن يتوسط لشخص في وظيفة أو في قبول في مدرسة أو جامعة أو نحو ذلك أو في تقديمه على غيره، وذلك الغير أحق منه، فيترتب على هذه الواسطة حرمان المستحق وهذا ظلم وضرر وغش لولي الأمر وعموم المسلمين، حيث يؤخر الأكفاء ويقدم من دونهم، والإسلام دين العدل والحق، ومنع الظلم والضرر، كما يترتب على هذه الواسطة تولد الضغائن والأحقاد وظنون السوء، وهذه مفسدة تضر المجتمع.

أما إذا لم يترتب على الواسطة ضياع حق لأحد أو نقصانه فهي جائزة، بل مرغب فيها شرعا، ويؤجر عليها الشفيع إن شاء الله، لقوله صلى لله عليه وسلم: (اشفعوا تؤجروا) [رواه البخاري: (1432). عن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه .] .

{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَ} [النساء: 85] .

اللهم ..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *