خطر القنوات الفضائية
14 نوفمبر 2015

إن الحمد لله نحمده …

أيها الناس .. إن هذا المجتمع الذي يجمعنا ويلفنا برواقه ينطوي على جوانب كثيرة من أمور الخير والحمد لله، لكن تشوبه بعض المكدرات التي تعكر صفوه وتؤثر على أهله، ومن هنا من منبر الجمعة يكون التوجيه والإصلاح لهذه المظاهر التي تؤثر في صلاح المجتمع دعوةً إلى الله وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.

أيها الإخوة .. إن من هذه المظاهر التي انتشرت في أفراد المجتمع وتغلغلت في بيوته، وتقبلها الناس بسرعة عجيبة هو الإقبال على استقبال البث المباشر عبر القنوات الفضائية المنحرفة.

أيها الأحبة العقلاء .. دعونا نطرح الموضوع ونقلبه على بساط البحث والنظر بهدوء وعقلانية وتجرد لنصل إلى الفائدة المنشودة.

لقد جرب الأعداء عبر الحروب الصليبية وغيرها أن المواجهة العسكرية مع المسلمين لا تجدي، وأن غزو المسلمين لا بد فيه من غزوٍ جديد لا تشارك فيه الطائرات ولا الدبابات ولا القنابل والمدرعات, وليس فيه في صفوف الأعداء خسائر تذكر، بل خسائره في صفوفنا نحن المسلمين, إنه غزو الكأس والمخدرات؛ غزو المرأة الفاتنة والرقصة الماجنة، غزو الأفلام والمسلسلات, وإهدار الأعمار بتضييع الأوقات, إنه غزو للعقيدة وغزو للأخلاق والمبادئ والقيم .

لقد عقد اليهود – أيها الإخوة – اجتماعاً قبل أكثر من 100 سنة وخرجوا بمجموعة من القوانين والبروتوكولات التي تهدف إلى جمع شملهم في كيان كبير وسيادتهم على العالم, وكان من تلك البروتوكولات أن يغرقوا العرب والمسلمين عبر وسائل الإعلام بالشهوات والمتع حتى ينشأ جيل فارغ مخدر لا يفكر في قضية, ولا يختلف معهم في شيء.

إن هذا الغزو – باختصار – يفعل ما لا تفعله الطائرات ولا الدبابات ولا الجيوش الجرارة .

والعجب العجاب بعد هذا أن نشتري السلاح بحر أموالنا ونوجهه إلى أنفسنا وأولادنا، وندخله في بيوتنا وغرف نومنا ليفتك بالعقائد والأخلاق والثوابت {يخربون بيوتهم بأيديهم} [الحشر: 2].

أما حصاد هذه الأطباق الفضائية وآثارها فيتجلى في جوانب كثيرة منها:

1. الجانب العقدي :

لقد عقد مؤتمر في إحدى الدول النصرانية لبحث كيفية الاستفادة من البث المباشر في تنصير المسلمين. ويقول صموئيل زويمر رئيس جمعيات التنصير في خطاب له: إنكم إذا أعددتم نشأ لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها أخرجتم المسلم من الإسلام وجعلتموه لا يهتم بعظائم الأمور ويحب الراحة والكسل ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب حتى تصبح الشهوات هدفه في الحياة فهو إن تعلم فللحصول عـلى الشهوات وإذا جمع المال فللشهوات .. إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات. أيها المبشرون: إن مهمتكم تتم على أكمل الوجوه.

وصدق الله العظيم : {ودوا لو تفكرون كما كفروا فتكونون سواء} [النساء: 89], {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم…} [البقرة : 120].

إن هذه القنوات تدعو إلى زعزعة العقيدة في قلوب المسلمين وتشكيكهم في أصول الإيمان وإثارة الشبهات، والدعوة إلى الديانات الباطلة والمذاهب الهدامة.

وحينما نقول ذلك فلا يُفهم أنهم يقولون للمسلم: اكفر بالله وتوجه للكنيسة, فليست المسألة بهذه السذاجة , إنهم يعرضون دعوتهم بلطيف الإشارة عبر الفيلم المشوق والمسرحية والمسلسل.

في قناة فضائية عربية، عُرض فيلم هندي مترجم، ومن مشاهده أن طفلاً لما رأى أخته الجميلة قد لدغها الثعبان، هرع مسرعاً إلى صنم، وأخذ يدعوه وينحني له، ويرجوه ويتوسل إليه أن يشفي أخته اللديغة، وإن لم يفعل هذا الصنم فالطفل يقول له –والفيلم مترجم بالعربية-: وإن لم تفعل فلن تُعبَد بعد اليوم، ثم عاد هذا الطفل إلى أخته ليجدها قد أفاقت وسلمت من شر الثعبان، فيستنتج المشاهد أن الصنم قد أجاب الدعاء، وكشف كربة أخته، ودفع المرض والسم عنها، فعاد الطفل إلى الصنم مرة أخرى، وقال له: سأظل أصلي لك شكراً على ما فعلت لأختي.

أضف إلى ذلك ما يعرض في هذه القنوات من حوارات ساخنة تهدم الثوابت وتشكك في القطعيات، بل ظهرت قنوات متخصصة في الدعوة إلى النصرانية أو إلى بعض مذاهب أهل البدع، وظهرت قنوات خاصة في السحر والسحرة، وتَعَوَّد المشاهد على رؤية الصليب والكنيسة في الأفلام والمسلسلات الأجنبية، وحتى بعض قنوات الأطفال تضم البلاء في زعزعة العقيدة في قلب هذا الطفل الناشئ، فأي أثر تسببه هذه القنوات في عقيدة الناشئة الذي ربما يظهر أثره بعد سنوات معدودات.

 

2. الجانب الإيماني

لقد هدم هذا الجهاز كثيرا من معاني الإيمان في قلوب المؤمنين من مراقبة الله وخوفه واستحضار عظمته وقربه وتعظيم أمره ونهيه.

أخي صاحب الدش: أين غض البصر؟ وأين أنت من قوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 20]. أين قلبك من قوله تعالى {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19].

أين إيمانك من موقف السؤال عن هذه الجوارح، {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 36].

وإذا خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يــراني

وإذا عكف المسلم على هذا الجهاز فقد قتل عمره على هذه المعاصي, فمن أدمن مشاهدة هذه القنوات ضعف الإيمان في قلبه حتى تثقل عليه العبادات كصلاة الفجر ويثقل لسانه عن تلاوة القرآن.

 

3. الجانب الأخلاقي

لا أظن أنه يختلف اثنان أن هذا الجهاز معول هدم وتخريب للأخلاق والقيم والآداب, ومتى تخلت الأمة عن عقيدتها وأخلاقها فقل عليها السلام .

 

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

وأي أثر للمدرسة أو البيت أو المسجد أمام هذا الجهاز ؟ فإن الهدم أسهل وأسرع من البناء كما لا يخفى. أي معنى للعفة والفضيلة أو التحذير بالعيب إذا كان الأبناء والبنات مع الآباء والأمهات يشاهدون المرأة مع الرجل يراقصها ويقبلها ويضاجعها في تأوهات وتنهدات، وتفسخ وتعري وحركات مثيرة تؤجج الغرائز في ابن الستين فضلاً عن الشاب، وعلَّمت هذه القنوات عبر الأفلام والمسلسلات المترجمة الألفاظ النابية والكلمات الخليعة القبيحة، وقدمت صورة المجتمع هناك للشباب هنا فتقبلها بعض شبابنا وصرنا نرى بعضهم في ملابس غريبة وقصات عجيبة. وصورت بعض تلك القنوات للفتاة أنها لا تحس بطعم الحياة إلا مع صديق لها، وعلمتها كيف تكون الصداقة مع الشباب وتخرج معهم، وتتمرد على أهلها باسم الحرية الشخصية. وحاولت عبر برامج خاصة القضاء على الحاجز بين الجنسين وتهوين الخلوة بين الرجل والمرأة، وإعلان الحرب على حجاب المرأة وأنه مظهر من مظاهر تخلف المرأة وحاجز في سبيل تطورها ورقيها. وسخرت من تعدد الزوجات وقدمته على أنه ظلم وامتهان لحق المرأة، وأظهرت تلك الأفلام والمسلسلات الخيانة الزوجية وهونت أمرها وأنها مخرج من روتين العلاقة الزوجية للتغيير والتجديد، وفتحت أعين المرأة المسلمة الغافلة على كثير من البلاء والشر.

ثم هذا الأب المسكين يوفر القنوات ويمدد الأسلاك إلى غرف الأبناء والبنات وهم في سن المراهقة والشباب.

لقد قتل هذا الجهازُ الحياءَ ووأد الفضيلةَ والعفة.

ثم هل نستغرب بعد هذا من انحراف الشباب والشابات أو عقوق الأبناء لآبائهم؟.

إن الأب الذي يجلب هذا الجهاز لأبنائه وبناته كمن يشعل النار بجانب الوقود، ثم يفاجأ بالحريق.

لقد ثبت لدى علماء النفس والاجتماع وضباط الأمن ورجال الحسبة أن الأمور الجنسية الضارة وفنون الحب والغزل والإثارة الجنسية وغير ذلك يتلقاها الشباب والشابات عبر هذه القنوات.

إن التغير الانحرافي لا يأتي دفعة واحدة بل هو كالنمو الجسمي يتزايد شيئاً فشيئاً فأفق أيها العاقل فإن أبناءك وبناتك مثلُ غيرهم تسري في نفوسهم مكامن الشهوة ودوافع الغريزة .

إن هؤلاء الأبناء رعيةٌ في ذمتك أيها الأب وأنت مسؤول عن رعيتك وحسبي في هذا المقام أن أتلو عيكم حديثاً يقرع القلوب لمن كان له قلب، فقد صح عن رسول الهدى صلى لله عليه وسلم أنه قال: ” ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة “ . [رواه البخاري: (7151)، ومسلم: (142). عن مَعْقِل بن يسار رضي الله عنه .]

 

4. الجانب الأمني

فهذه الأفلام علمت الشباب صنوف الحيل وأساليب الجريمة وطرق السلب وكيفية السطو وإخفاء آثار الجريمة بعد وقوعها, وتهوين وقعها عليهم, وأطلعت الشباب على أنواع المخدرات والمسكرات وأشكالها وكيفية الحصول عليها، بل وصورت أمثال هؤلاء المجرمين في صورة الأبطال والنجوم المحترمين حتى تأثر كثير من الشباب بذلك.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة .. إضافة إلى ما سبق فمن آثار هذا البث المفتوح على المجتمع والأفراد:

5. ضياع الأوقات : فالوقت هو الحياة ولا يقدر بذهب ولا فضة.

6.تفكيك الأواصر الاجتماعية: فأصبحت العلاقات الاجتماعية سواء في العائلة الواحدة أو القرابة والرحم علاقات مظهرية فالأجساد مجتمعة لكن الأنظار والقلوب منصبة على الشاشة، صار البيت كالفندق، وأصبح الأب لا يعرف ما عند أبنائه من اهتمامات ومشاكل وتوجهات وأفكار بسبب انصراف الجميع إلى متابعة القنوات.

هذا بخلاف آثار أخرى من آثار هذا الجهاز مثل محاربة الثقافة والقراءة , والإسهام في ضعف المستوى الدراسي, وجلب الكسل والخمول, والتشجيع على ممارسة التدخين والخمور والمخدرات, والآثار الصحية الأخرى.

 

أيها الإخوة .. إن بعض الناس يتهم الناصحين والمحذرين من شؤم هذه السموم الوافدة، يتهمهم بالتخلف أو عدم مواكبة العصر والقدرة على فهم متطلبات الحياة المعاصرة، أو تضخيم الأمور والمبالغة في الطرح، لكن الواقع يصدق كلام الناصحين وأنه عين الحقيقة دون مبالغة، لكثرة ما يرد عليهم من مشكلات اجتماعية وسلوكية سببها هذه القنوات.

 

وقد يقول بعض المثقفين: نحن أمام فضاء واسع، وليس الحل أن تقول للناس: أخرجوه من بيوتكم، بل لا بد من التحدي والمواجهة، لا بد من تعويدهم على ما يعرض في العالم مع زرع الرقابة الذاتية، وهذا كلام فيه تخليط وتلبيس، وذلك أن مواجهة الشر لا تكون بقبول الشر، وإنما تكون أولاً برفضه وإبعاده، وتكون بأخذ الوقاية منه والتحذير من شره، وبعد ذلك التصدي له بجهد نعده ونصدره، ونحن في فضاء واسع نعم، لكننا غير مجبرين أن نستقبل هذا البث الضار ونقدمه لزوجاتنا وأبنائنا. والعجب ممن يقول: قدم هذه القنوات وازرع في نفوس الأبناء الرقابة الذاتية، وأي تناقض هذا المنطق، ومثل هذا كمن يقول: ضع طفاية الحريق في السيارة ثم أشعل النار ولا تخف لأن معك أدوات السلامة وإطفاء النار. فاحذروا من هذه التلبيسات والتمويهات بل أبعد هذه القنوات وازرع جانب المراقبة في نفوس أبنائك ثم اسأل السلامة بعد ذلك.

 

وبعض من الناس يقول: سأدخله وأشفر القنوات السيئة عن أهل البيت بحيث لا يشاهدها أحد غيري وكأنه ملك معصوم، فيا سبحان الله من أباح لك ذلك وحرمه عليهم، إن النظر إلى تلك القنوات محرم عليك، وكم جر هذا الفعل من مآسٍ في البيوت يتجرعها كثير من الزوجات، ثم الغالب أن يتسرب الرقم السري إلى الأبناء حين يتنازل الأب لمشاهدة برنامج هام في قناة ما، وهؤلاء الشباب الصغار فاقوا آباءهم في هذه التقنية.

 

أيها الإخوة .. قام سماحة العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين خطيبا يوم الجمعة (25/3/1417هـ) فخطب عن هذا الدش خطبة بليغة تأثر فيها وأثر، وكان مما قاله: “فمن مات وقد خلف في بيته شيئاً من صحون الاستقبال -الدشوش- فإنه قد مات وهو غاش لرعيته. ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا الدش الذي ركبه الإنسان قبل موته فإن عليه وزرها بعد موته، وإن طال الزمن وكثرت المعاصي. فاحذر أخي المسلم أن تخلف بعدك ما يكون إثماً عليك في قبرك، وما كان عندك من هذه الدشوش فإن الواجب عليك أن تكسره؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا في وجه محرم غالباً .. احذر يا أخي أن يفاجئك الموت وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، احذر .. احذر .. احذر .. فإن إثمها ستبوء به، وسوف يجري عليك الإثم بعد موتك. نسأل الله السلامة والعافية”أ.هـ

 

أيها الإخوة .. لقد شرع الله النصيحة بين المؤمنين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلن النبي صلى لله عليه وسلم أن الدين النصيحة وكرر ذلك فقال: “الدين النصيحة, الدين النصيحة الدين النصيحة” [رواه أبو داود (4944) واللفظ له, وأصله في مسلم (55). وعلقه البخاري في “صحيحه”، بإثر الحديث: (56)، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه، وقد جاء عن غيره.] ، وإني والله الذي لا إله غيره ناصح لكم ومحب.

ويقـول المصطفى صلى لله عليه وسلم : ” حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات “ . [رواه البخاري (6487), ومسلم (2822 – 2823) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .]

والنفس البشرية جبلت على حب الراحة والدعة والشهوة , وفي هذا الجهاز جانب كبير من المتعة والجذب حيث يتنقل المشاهد من بلد إلى آخر ومن قناة إلى قناة مروراً بالمتع الشهوانية عبر أفلام هابطة ومسلسلات ساقطة وأغان ماجنة وخمر ومجون ونساء وعري وجريمة ومخدرات.

أرأيت يا أخي لو أعطيت كأساً من العسل المصفى ثم وضعت فيه قطرة من السم، فهل ستشربه؟ فكيف لو كان الكأس سماً فيه قطرة عسل كحال بعض القنوات.

يا من جلبت الدش رفقاً إنمـا *** أفسدت ما في البيت من غلمـان
خنت الأمانة في الشباب وفي النسا *** وجعـلت بيتك منتـدى الشيطـان
ترضى لنفسك أن تكون مروجًا *** لبضاعة الكفـران والخسـران
أدخلت في البيت الضلال مع الخنا *** والفـسـق بعـد تـلاوة القـرآن

 

أيها الأخ الحبيب: إنني أدعوك من هذا المنبر في هذا اليوم المبارك أن تحفظ إيمانك وأمانتك وتكسـر صنم الهوى, فاستعن بالله وخذ معول العزم بساعد الجد وسيف الإرادة والعقل, واضرب به هذا الصنم الذي يجثم في بيتك. ثم هنيئاً لك البركة والسكينة والطمأنينة وقد حلت في جنبات الدار.

اللهم ..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *