خطب الجمعةخطب صوتيةخطب نصية

أطوار الإنسان (لتركبن طبقا عن طبق)

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خَلَقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم سوَّاه وصوَّره في أحسن تقويم، أوجده ورباه بنعمه وهداه إلى الطريق القويم.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نَقَلَهُ ربُّهُ درجةً بعد درجة، حتى انتهى إلى محل القربِ والزلفى من ربه الكريم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله إلى يوم الدين أما بعد

فاتقوا الله حق تقاته بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي وقاية تنجيكم من عذاب الجحيم.

عباد الله .. إن المرء منذ أن خرج إلى هذه الدنيا وهو في عَناءٍ وكَدحٍ في معترك هذه الدنيا، والسعي في طلب المعيشة، والشغل بالمعاش والولد { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } [البلد: 4]، وفي معمعة هذه الدنيا وأشغالها، ومعاناة مكدراتها ولأوائها؛ يغيب أحدنا عن ساعة يخلو بنفسه في هدوء وسكون، يتأمل ويتبصر، وينظر ويتفكر في حاله ومآله، المبدأ والمعاد، يتعبد الله ويتقرب إليه بهذه العبادة الغائبة: التفكر.

وإن أولى ما ينبغي النظر والتبصر فيه: أنفسُنا التي بين جوانحنا، { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].

أنا وأنت، ما نحن عليه اليوم؟ وكيف كنا في الماضي؟ وما نحن صائرون إليه في المستقبل؟ أطوارٌ وأحوالٌ نتدرج فيها، ونتنقل من مرحلة إلى مرحلة، وهو ما أقسم الله عليه في كتابه فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19], أقسم الله تعالى بالشفق وهو احمرار الأفق عند الغروب، وبالليل وما وسق يعني ما جمع من الدواب والحشرات والهوام وغير ذلك، وبالقمر إذا اتسق أي إذا تكامل نوره، لتركبُنَّ- أيها الناس- طبقا عن طبق، أي أطوارا متعددة وأحوالا متباينة. فدعونا نتأمل ونتدبر سويا في هذه الأطباق التي نتنقل فيها.

أول أطباق الإنسان أن كان «نطفة» من منيٍّ يُمنى أي يراق، ثم استقرت هذه النطفة في رَحِمِ أمه فصارت «علقة» وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم صارت «مضغة» وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمْضَغ، ثم صار «جنينا» يتقلب في رحم أمه في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، في عالم عجيب، وبيت مغلق، ومع ذلك يأتيه رزقه وتتم رعايته

لله في الآفاق آياتٌ لعل *** أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته *** عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناكا
والكون مشحونٌ بأسرار إذا *** حاولت تفسيراً لها أعياكا
قل للجنين يعيش معزولا بلا *** راع ومرعى: ما الذي يرعاكا؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكا *** عند الولادة : ما الذي أبكاكا؟
قل للطبيب تخطفته يد الردى *** يا شافي الأمراض: من أرداكا؟
قل للمريض نجا وعوفي بعد ما *** عجزت فنون الطب: من عافاكا؟
قل للصحيح يموت لا من علة *** من بالمنايا يا صحيح دهاكا؟

 

ثم يخرج هذا الجنين «مولودًا» يبكي، ثم يكون «رضيعًا» ثم «فطيمًا» ثم يكون «مميزًا»، ثم يأخذ في بلوغ الأِشد والشباب إلى الأربعين، ثم بعد الأربعين يأخذ في الكهولة إلى الستين، ثم يأخذ في الشيخوخة، فإذا انحطمت قواه فهو هرم، فإذا تغيرت أحواله وظهر نقصه فقد رُدَّ إلى أرذل العمر. وهو في جميع أطواره: إما صحيح أو مريض، غنيٌ أو فقير، معافى أو مبتلى إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه.

فإذا بلغ الأجلَ الذي قُدِّر له واستوفاه؛ جاءته رسلُ ربه عز وجل ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء، فجلسوا منه مد البصر، ثم دنا منه الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى بالروح، فإن كانت روحًا طيبة قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج من بدنه كما تخرج القطرةُ من في السقاء، فإذا وضع في لحده – وهي حياة البرزخ بين الدنيا والآخرة -، وتولى عنه أصحابه دخلت الروح معه، حتى إنه يسمع قرع نعالهم على الأرض فوقه، فأتاه حينئذ فتانا القبر، فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. فيصدقانه، ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه، ومات عليه، وعليه يبعث. ثم يفسح له في قبره مدَّ بصره، ويفرش له خَضِرًا، ويقيض له رجلٌ حسن الوجه والرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسرك. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. ثم يَفْتَحُ له طاقةً إلى النار، ويقول: انظر ما صرف الله عنك. ثم يَفْتَح له طاقة إلى الجنة، ويقول: انظر ما وعد الله لك، فيراهما جميعًا.

وأما النفس الفاجرة فبالضد من ذلك كله: إذا أذنت بالرحيل نزل عليها ملائكة سود الوجوه، معهم حنوط من نار وكفن من نار، فجلسوا منها مدَّ البصر، ثم دنا الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى بها وقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فتطاير في بدنه، فيجتذبها من أعماق البدن كما ينتزع الشوك من الصوف؛ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، ويوجد لها كأنتن رائحة جيفة على وجه الأرض، فإذا وضع في اللحد وجاء الملكان فسألاه عن ربه ودينه ونبيه، فيتلجلج ويقول: لا أدري. فيقولان له: لا دريت، ولا تليت، ثم يضربانه ضربة يصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرش له نار، ويفتح له طاقة إلى الجنة فيقال: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفتح له طاقة إلى النار، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، فيراهما جميعًا؛ ثم يأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الرائحة فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك السيئ.

ثم ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله، ويعذب الفاجر فيه على حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار، وتلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم كما يسبحون في الكسب الخبث. وترضخ رءوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد إلى قفاه، ومِنْخُرُه إلى قفاه، وعينيه إلى قفاه، كما شقت كلمته النواحي، وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمى عليه، حتى يأذن الله تعالى بانقضاء أجل العالم وطي الدنيا، فتمطر الأرض مطرًا غليظًا أبيض كمني الرجال أربعين صباحًا، فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب، فإذا تكاملت الأجنة وكان وقت الولادة أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخةَ البعث وهي الثالثة وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة الفزع فتشققت الأرض عنهم، فإذا هم قيام ينظرون، يقول المؤمن: الحمد لله الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور. ويقول الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. فتبدأ مرحلة جديدة في رحلة الإنسان، وهي الحياة الآخرة، فيساقون من قبورهم إلى أرض المحشر حفاة، عراة، غرلاً أي غير مختونين { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } [الأنبياء: 104]، مع كل نفس سائق يسوقها إلى أرض المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملت، {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } [ق: 21], وهم بين مسرور ومثبور، وضاحك وباكٍ، حتى إذا تكاملت عدتهم وصاروا جميعًا على وجه الأرض تشققت السماء، وانتثرت الكواكب، ونزلت ملائكة السماء الثانية فأحاطت بملائكة السماء الدنيا، ثم كل سماء كذلك؛ فبينما هم كذلك إذ جاء الله رب العالمين لفصل القضاء، فأشرقت الأرض بنوره، وتميز المجرمون من المؤمنين، ونصب الميزان، وأحضر الديوان، واستدعي بالشهود، وشهدت يومئذ الأيدي والألسن والأرجل والجلود، وينتظر الناسَ موقف رهيب، ومقام عصيب، وأهوال وشدائد، حيث تدنو الشمس من الأرض قدر ميل، حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لفصل القضاء، ويكون الحساب، وتتطاير الصحف {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [الأنبياء: 27].

ويضرب الجسر على وسط جهنم وهو الصراط، ويساق الخلق عليه، وهو دحض مزلة، يعبر منه الناس على حسب أعمالهم فمارٌّ كالبرق، وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل، وساع، وماش، وزاحف، وحاب حبوًا، ومكردس في نار جهنم.

فإذ جاوز المؤمنون الصراط -ولا يجوزه إلا مؤمن- أَمِنوا من دخول النار، فيُحبسون هناك على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في دار الدنيا، حتى إذا هذبوا أذن لهم في دخول الجنة. فإذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وهي المرحلة الأخيرة في رحلة الإنسان وأطباقه التي يركبها؛ أتي بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون وجلين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، وكلهم قد عرفه. فيقال: هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.

فاتقوا الله عباد الله، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

بارك الله …

الخطبة الثانية

الحمد لله ..

عباد الله: هذه رحلة سنسيرها حتما وقطعا، قطعنا بعض المراحل وبقي علينا ما بقي، أطباق وأطوار نتدرج فيها حتى نصل إلى نهاية المسير وخاتمة الرحلة.

وهذه الرحلة واضحة مبينة ليستعد لها العقلاء بالزاد الذي يناسبها، {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورً} [الإنسان: 3].

قال ابن القيم رحمه الله: “العبد من حينِ استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له، فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحلُ لسفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهيَ السفر، فالكيّس الفطِن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالمًا غانما” [طريق الهجرتين: (ص 185).] .

وقال رحمه الله: “السَّنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد، فعند الجذاذ يَتبين حُلو الثمار من مُرِّها” [الفوائد: (ص 164).] .

اللهم ..

ملحوظة: أصل الخطبة مأخوذ من خطب الشيخ محمد ابن قاسم رحمه الله مع التصرف بالزيادة والحذف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى