شهر شعبان – مسائل وأحكام
admin 19 أغسطس 2015 0 1٬261

إن الحمد لله .. أما بعد

فقد أظلنا شهر شعبان، وهو شهر جاءت فيه بعض النصوص، ووقعت فيه بعض الأحداث والوقائع، وراجت فيه بعض البدع والمحدثات، ولعلنا نتذاكر وإياكم – أيها الإخوة – ما تيسر من ذلك في المسائل الآتية:

 

المسألة الأولى: استحباب كثرة الصيام في شهر شعبان

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان” [رواه البخاري: (1969), ومسلم: (1156).] .

وعنها رضي الله عنها قالت: “لم أر النبي صلى الله عليه وسلم صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليل” [رواه مسلم: (1156).] .

فقد دلت هذه الأحاديث وما جاء في معناها على مشروعية صيام شعبان والاستكثار من الصيام فيه تأسيا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

والحكمة في ذلك جاءت في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه النسائي: (2357), وأحمد: (21801), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (3711).] . [إيراد: ما وجه استكثاره صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان مع أنه صرح في الحديث الصحيح أن أفضل الصيام بعد رمضان صيامُ المحرم؟. فأجاب المحققون من أهل العلم كالإمام النووي عن ذلك فقال: لعله لم يعلم فضلَ المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما.]

فهو شهر يغفل عنه الناس، وترفع فيه الأعمال إلى الرب الكريم، وفيه معنى آخر ذكره بعض العلماء، وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذّته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

وأما حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) [رواه أبو داود: (2337) وغيره.] . فهو حديث ضعيف أعله أئمة الحديث كالإمام أحمد وأبي زرعة وابن مهدي وغيرهم.

فيشرع الصوم في شعبان كله إلا التقدم قبل رمضان بيوم أو يومين، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا من كان يصوم صوما فليصمه) [رواه البخاري (1815)، ومسلم: (1082).] , ومعنى الحديث: النهي عن الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا من كان له صوم معتاد اعتاد صيامه كصوم الاثنين والخميس، فهذا يجوز له الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين إذا وافق صيامَه المعتاد.

فاجتهدوا رحمكم الله في العمل بهذه السنة وصيام ما تيسر منه لا سيما وهو يوافق إجازة عند الكثير من الناس. وجنس الصيام من أفضل الأعمال الصالحة التي رتب عليها الأجر الجزيل، وقد اختصه الله لنفسه، فقال تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [رواه البخاري: (1904), ومسلم: (1151) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .] .

 

ومما ينبه عليه هنا أن من عليه قضاءُ أيام من رمضان لا يجوز له تأخيره إلى دخول رمضان الذي يليه من غير عذر، فإن فعل فهو آثمٌ لقول عَائِشَةَ رضي الله عنها: “كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ في شَعْبَانَ؛ وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم: (1146).] ، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم.

 

المسألة الثانية: عرض الأعمال.

وهذه ميزة لشعبان من بين الشهور أن الأعمال تعرض فيه على الله جل وعلا، لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه السابق، وفيه: “ذلك شهر يغفل الناس عنه ، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين” [رواه النسائي: (2357), وأحمد: (21801), وحسنه الألباني في صحيح الترغيب: (1022).] .

ففي شعبان يكون العرض السنوي، وهناك عرض أسبوعي دل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) [رواه الترمذي: (747), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2959).] ، ثم يكون العرض الأكبر يوم القيامة للحساب والجزاء {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]، وفي هذا درس للعبد أن يتنبه ويتيقظ لأعماله فهي محصاة مقيدة عليك، وتعرض في مواعيد ثابتةٍ دورية، فيدعو ذلك العبدَ أن يحاسب نفسه ويجتهد في إصلاح عمله والبعد عما لا يرضاه الله من العمل، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس ويصوم شعبان لذلك، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.

 

المسألة الثالثة: أخطاء وبدع في شعبان

من البدع المنكرة في شهر شعبان ما أحدثه بعض الناس في القرن الخامس الهجري من تخصيص ليلة النصف بصلاة سموها صلاة الألفية، وسميت بذلك لأنها صلاة تؤدى بمائة ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: “إن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث” [اقتضاء الصراط المستقيم: (2/632).] .

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: “ليلة النصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح، وكل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وهي ليلة ليس لها خصوصية، لا قراءة ولا صلاة خاصة ولا جماعة .. وما قاله بعض العلماء أن لها خصوصية فهو قول ضعيف، فلا يجوز أن تخص بشيء ..”.

 

المسألة الرابعة: أحاديث ضعيفة حول شعبان.

يتناقل بعض الناس في هذا الشهر بعضَ الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي لم تثبت عنه عبر رسائل الجوال والبريد الإليكتروني أو في المنتديات والمجالس، وينبغي للمسلم ألا ينشر حديثا حتى يتأكد من ثبوته وصحته، فمن ذلك على سبيل المثال:

1. عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي” [رواه البيهقي في الشعب: (3532), وضعفه ابن حجر في تبيين العجب (13) وابن الجوزي في الموضوعات: (2/205), والسيوطي في اللآلئ المصنوعة: (2/114) ، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: (3094). ] .

2. عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبارك لنا في رمضان” [رواه أحمد: (2346), وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: (4395).
ومما ورد: عن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال :”شعبان تعظيما لرمضان” حديث ضعيف أخرجه الترمذي: (663), وضعفه ابن الجوزي والمنذري والألباني. انظر الإرواء: (889).]
.

وسبق ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة في شهر شعبان، وفي الصحيح غنية عن الضعيف.

بارك الله …

 

الخطبة الثانية:

المسألة الخامسة: أحداث وتشريعات في شهر شعبان

حفل هذا الشهر بأحداثٍ ووقائعَ عظيمةٍ في التاريخ الإسلامي، وأكتفي هنا بذكر حدثين مهمين في تاريخ التشريع الإسلامي وقعا في هذا الشهر شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة:

 

الأول: تحويل القبلة. فحينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يصلي متوجها إلى بيت المقدس ومكث على ذلك ما يقارب سبعة عشر شهرا، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يصرف إلى الكعبة قبلةِ أبيه إبراهيم، حتى جاء التحويل في شعبان فنزل عليه قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144], وكان أولُ صلاة صلاها إلى الكعبة صلاةَ العصر. ووصل الخبر إلى أهل قباء في أول اليوم التالي، فبينما هم يصلون الفجر إذ جاءهم رجل فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن فأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكان وجه الناس إلى الشام فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة وهم في الصلاة.

ومنذ ذلك اليوم والكعبةُ قبلةُ المسلمين أحياء وأمواتا.

 

الحدث الثاني: فرض صيام رمضان. وكان هذا في شعبان من السنة الثانية، وقد مر فرض الصوم بثلاث مراحل:

1. فرض صيام عاشوراء. وكان هذا أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.

2. فرض صيام رمضان على التخيير بين الصيام والإطعام.

لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184], فكان القادر مخيرا بين الصيام أو الفطر مع الإطعام، والصيام أفضل.

 

3. فرض صيام رمضان على التعيين. لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185], وكان فرضه في شعبان سنة (2 هـ)، فصام صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، وصار هذا تشريعا عاما للأمة وركنا من أركان الإسلام الخمسة.

 

عباد الله .. شهر شعبان إطلالةٌ وتمهيدٌ للموسم العظيم شهرِ رمضان، فجدير أن يُستعد للضيف بالضيافة قبل نزوله، وأن تروض النفس بالطاعة قبل موسم رمضان، وما يدريك لعلك لا تدرك رمضان، فكم ممن أمل أن يدرك رمضان خانه أملُه وصار مرتهنا بعمله، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره؛ لأبغضتم الأمل وغروره.

مضى رجبٌ وما أحسنت فيه *** وهذا شهر شعبانَ المبارك
فيا من ضيع الأوقاتَ جهلا *** بحرمتها أفق واحذر بوارك
فسوف تفارق اللذاتِ قهرا *** ويُخلي الموتُ كرها منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا *** بتوبة مخلصٍ واجعل مدارك
على طلب السلامة من جحيمٍ *** فخيرُ ذوي الجرائم من تدارك

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.