عشر ذي الحجة: أفضل أيام الدنيا
admin 10 سبتمبر 2015 0 1٬401

إن من حكمة الله تعالى تفضيلَ بعضِ الأزمنة والأمكنة على بعض في تعظيم الأجور , وكثرة الفضائل.

ومن ذلك أن الله تعالى فضَّل بعض الشهور والأيام والليالي على بعض؛ ليكون ذلك عوناً للمسلم في زيادة العمل والرغبة في الطاعة , وتجديد النشاط ، لِيَعْظُمَ أجرُه , ويحظى بنصيب وافر من الثواب , فيتأهب للسفر , ويتزود للمعاد، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام, وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات , فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات , فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.

وإن من تلك المواسم العظيمة والأيام الفاضلة: عشر ذي الحجة ، التي جعلت مغنماً للطائعين وميداناً لتنافس المتنافسين, وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا, فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: “ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر: قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء”[1] رواه البخاري: (926)

وكان سعيد بن جبير – الراوي عن ابن عباس -إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه [2] رواه الدارمي في سننه: (1815), وقال الألباني في الإرواء (3/398): وإسناده حسن.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“ما من عمل أزكى عند الله عز وجل, ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى”, قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء”[3] رواه الدارمي في سننه: (1815), وقال الألباني في الإرواء (3/398): وإسناده حسن.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكرت له الأعمال, فقال: “ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر؟ قالوا: يا رسول الله، الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره, فقال: “ولا الجهاد ؛ إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله , ثم تكون مُهْجَةُ نفسه فيه” [4] رواه أحمد: (6559), وقال محققوه: صحيح لغيره.

وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر”[5] رواه البزار كما في كشف الأستار: (1128), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1133).

وهي العشر التي أتم الله بها الأربعين لموسى عليه السلام، كما قال إمام المفسرين مجاهد بن جبر في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف : 142]، هو ذو القعدة، وعشر ذي الحجة. [6] تفسير الطبري (13/ 86)

فهذه النصوص دليلٌ على فضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة من غير استثناء شيء منها، حتى العشر الأواخر من رمضان, كما ذهب إليه بعض أهل العلم، وفصَّل بعضهم بين الأيام والليالي، فقال: عشر ذي الحجة أفضل بأيامها، وعشر رمضان أفضل بلياليها[7] قال ابن رجب في (لطائف المعارف) ص310: “من المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه – يعني عشر ذي الحجة – لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدا”.

فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها :

1- أن الله تعالى أقسم بها, والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظمته, قال تعالى: {والفجر, وليالٍ عشر} , قال ابن عباس وغيره من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة, قال ابن كثير: (وهو الصحيح)[8] تفسير ابن كثير: (8/ 391)، ونسبه الشوكاني في تفسيره إلى جمهور المفسرين (5/ 526).

2- أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد بأنها أفضلُ أيام الدنيا كما تقدم .

3- أنه حث فيها على العمل الصالح: لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار, وشرف الزمان والمكان بالنسبة لحجاج بيت الله الحرام .

4- أن فيها يومَ عرفة؛ اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم النعمة، وفيها يوم النحر الذي هو أعظم الأيام، كما في حديث عبدالله بن قرط، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر”[9] رواه أحمد (19075)، وصححه ابن حبان رقم (2811)، ويوم القر هو اليوم الحادي عشر، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى..

5- أن هذه العشر جاءت في شهر من أشهر الحج، ومن الأشهر الحرم.

6- أن فيها الأضحية والحج، وهما شعيرتان عظيمتان من شعائر الدين.

قال الحافظ ابن حجر: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه , وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج , ولا يتأتى ذلك في غيره)[10] فتح الباري: (2/ 460).

إن إدراك هذه العشر نعمةٌ عظيمة من نعم الله تعالى على العبد, يَقْدُرُها حَقَّ قدرها الصالحون المُشَمِّرون, وإن واجب المسلم استشعارُ هذه النعمة, واغتنامُ هذه الفرصة, وذلك بأن يخص هذه العشر بمزيد عناية, وأن يجاهد نفسه بالطاعة. قال أبو عثمان النهَدْي رحمه الله: (كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان, والعشر الأول من ذي الحجة, والعشر الأول من المحرم), وإن من فضل الله على عباده كثرةَ طرق الخير, وتنوعَ سبل الطاعات، ليدوم نشاط المسلم, ويبقى ملازماً لطاعة ربه وعبادته.

ماذا نفعل في عشر ذي الحجة؟

في عشر ذي الحجة أعمال فاضلة وطاعات متعددة ينبغي للمسلم أن يَحْرِصَ عليها, ومنها:

1- الصيام : فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثَ على العمل الصالح فيها, والصيام من أفضل الأعمال, وقد اصطفاه الله تعالى لنفسه كما في الحديث القدسي:
“قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”[11] رواه البخاري: (1894), ومسلم: (1151). عن أَبِي هُريرة رضي الله عنه .

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله؛ دلني على عمل أدخل به الجنة، قال: “عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له”[12] رواه النسائي: (2220), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (4044).

قال النووي: “صيامها مستحب استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة”[13] شرح النووي لمسلم: (8/ 71). وآكد هذه الأيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة فقال:
“يكفر السنة الماضية والسنة القابلة”[14] رواه مسلم: (1162) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه .

2- الذكر : فيشرع في هذه العشر ذكرُ الله تعالى بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والاستغفار والدعاء. قال تعالى:
{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [البقرة: 197], والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة عند جمهور العلماء.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“سبق المُفَرِّدون قالوا: يا رسول الله؛ من المفردون؟, قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات”[15] رواه مسلم: (2676).

وقال صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد”[16] رواه أحمد: (5446), عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال محققوه: “حديث صحيح”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “ ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ ذكر الله “[17] رواه الترمذي: (3377), وابن ماجه: (3790), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2629).

وما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله .

وإن من أفضل الذكر قراءةَ القرآن فمن قرأ حرفا منه فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.

ويشرع التكبير في هذه العشر- الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد – وهو نوعان:

1. التكبير المطلق، وهو الذي يسن كل وقت، ويبدأ من دخول العشر إلى آخر أيام التشريق. وذكر البخاري في صحيحه تعليقا عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما: “أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما”[18] رواه البخاري معلقا مجزوما به: (2/20). ووصله عبد ابن حميد من طريق عمرو بن دينار عنه كما في ” فتح الباري”: (2/381) . ، وكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما يكبران في أيام منى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتج منى تكبيرا [19] رواه البخاري معلقا مجزوما به: (2/20).

وعن ميمون بن مهران قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها ، ويقول : إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير [20] (فتح الباري) لابن رجب (6/ 112).

2. التكبير المقيد، وهو الذي يكون بعد الصلوات المكتوبة. ويبدأ لغير المحرم: من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق. وللمحرم: من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق. فيجتمع في أيام التشريق التكبير المطلق والمقيد.

3- الحج والعمرة , والحج مما يخص هذه العشر ويميزها عن بقية أيام السنة, وهو من أفضل ما يعمل في هذه العشر, ويتأكد بالنسبة لمن لم يؤد هذه الفريضة؛ الركن الخامس من أركان الإسلام, قال تعالى:
{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً}
[آل عمران: 97], وقال صلى الله عليه وسلم:
“من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” [21] رواه مسلم: (1350). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقال صلى الله عليه وسلم “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” [22] رواه البخاري: (1773), ومسلم: (1349). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

4- الأضحية : وسميت بذلك لأن أفضل زمن لذبحها ضحى يوم العيد .

وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة , قال تعالى: {فصل لربك وانحر}
[الكوثر: 2], فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما : الصلاة والنحر, وهما من أعظم الطاعات وأجل القربات, وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي [23] رواه الترمذي: (1507), وأحمد: (4955). وحسنه الألباني في المشكاة: (1475).

قال ابن القيم: (ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع الأضحية) [24] زاد العاد: (2/289).

وقد دلت السنة على أن من أراد الأضحية عليه أن يمسك عن الأخذ من شعره وظفره وبشرته من دخول العشر إلى أن يذبح أضحيته ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي”[25] رواه مسلم: (1977). عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها., وفي رواية: ” فلا يمسَّ من شعره وبشرته شيئاً “[26] رواه مسلم: (1977). , والمراد بالبشرة : الجلد .

وهذا أمرٌ للوجوب، لكن لو تعمد الأخذ فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه؛ ولا فدية عليه إجماعاً, والأضحية بحالها.

ويبدأ الحظر بغروب شمس آخر يوم من ذي القعدة وليس عند الساعة الثانية عشرة ليلا كما يظنه بعض الناس.

ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظُفُرٍ، أو جُرْحٍ عليه شعر يتعين أخذه فلا بأس, ولا فدية عليه.

وهذا النهي في ظاهره يخص صاحب الأضحية ولا يتعداه إلى من أراد أن يُشركهم معه في الثواب كالزوجة والأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه.

5. التوبة النصوح : ومما يتأكد في هذه العشر التوبة إلى الله تعالى والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب والتخلص من مظالم العباد وحقوقهم .

والتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً, ندماً على ما مضى, وتركاً في الحال , وعزماً على ألا يعود , قال تعالى {وتوبوا إلى الله جميعاً} [النور: 31].

6. الإكثار من جنس الأعمال الصالحة : فالعمل الصالح محبوب لله تعالى في هذه العشر كما تقدم, وهذا يعني فضل العمل فيها وعظم ثوابه عند الله تعالى.

فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى من نوافل الصلاة والقراءة والصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة , ومن ذلك ما ورد عن أنس
رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة , تامة تامة تامة” [27] رواه الترمذي: (586), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (6346).

الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة , فما منها عوض ولا لها قيمة , المبادرة المبادرة بالعمل , والعجل العجل قبل هجوم الأجل , قبل أن يندم المفرط على ما فعل , قبل أن يسأل الرجعة فيعملَ صالحاً فلا يجابُ إلى ما سأل , قبل أن يحول الموت بين المؤمِّل وبلوغ الأمل , قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدم من عمل.

لـــــــيس للميــــت في قـــــــبره *** فطرٌ ولا أضحى ولا عشرُ

ناء عن الأهل على قربه *** كذاك من مسكنــــه القــــــــبرُ

اللهم وفقنا لتدارك الأوقات باغتنام الساعات في أعمال الخيرات والاستعداد للوفاة قبل الموافاة, وجنبنا الشرور والمنكرات وسائر الفتن والموبقات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.