وقفات حول الحج
admin 6 أغسطس 2016 0 86

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..

عباد الله.. اتقوا الله حق التقوى، باتقاء كل سبب يجر إلى سخط الله وعقابه،
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}
[آل عمران: 102].

أيها الناس .. يترقب المسلمون هذه الأيام مناسبةً شرعية عظيمة، وهي الحج والقصد إلى بيت الله الحرام، فإن الله تعالى قضى بحكمته أن جعل له بيتاً في الأرض أضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم فهو بيت الله، أقيم على قاعدة التوحيد ليعبد اللهُ وحده دون ما سواه، ويطهرَ لمن يقصده طائفا أو مصليا،
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}[البقرة: 26].

هذا البيتُ الحرام هو قبلة المسلمين أحياء وأمواتا، أحياء في صلواتهم، وأمواتا في قبورهم، ويسمى البيتَ العتيق، والكعبة.

وهو أول بناء بني لعبادة الله وتوحيده، قال تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}
[آل عمران: 96]، وعن أبي ذر رضي الله عنه
قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ، فهو مسجد) [ رواه البخاري: (3366), ومسلم: (520).] .

جعله الله حرما محترما، قال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ}
[المائدة: 97]، وأضافه إلى نفسه إضافة تكريم وتشريف على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، فقال:
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}
[إبراهيم: 37]. وسمي بالبيت الحرام: لأن الله حرمه وعظَّمه، وحرَّم القتال والاصطياد فيه.

اتفق أهل العلم كما جاء في القرآن الحكيم أن الذي رفع قواعد البيت، وأتم بنيانه إبراهيمُ الخليل
صلى الله عليه وسلم بمعونة ابنه إسماعيل عليه السلام، لكن من الذي ابتدأ البنيانَ ووضع القواعد؟

قيل: إن الله تعالى وضعه بقدرته ومشيئته، وقيل: بل الملائكة هي التي بنته، وقيل: بل آدم عليه السلام حين أهبط من الجنة إلى الأرض، والله أعلم بحقيقة ذلك .

لكن الثابت المقطوع به – كما في صحيح البخاري وغيره – أن إبراهيم أقام البيت ورفع قواعده وأتم بنيانه، ففي صحيح البخاري في القصة الطويلة أن إبراهيم
صلى الله عليه وسلم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127], قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
[رواه البخاري: (3364) عن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه .] , فأصل مقام إبراهيم الذي فيه آثارُ قدمه كان ملاصقا للبيت لكن أخره عمر رضي الله عنه توسعة على الطائفين.

وذكر المفسرون أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد انتهائه من بناء البيت أن يؤذن للناس بالحج:
{أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}
[الحج: 27], فذكروا أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الصفا، وقيل: على جبل أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كلُّ شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أن يحج إلى يوم القيامة: “لبيك اللهم لبيك” [روى الحاكم: (4026), والبيهقي في الشعب: (3710), عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ” لَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ أَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ». وصححه الذهبي في التلخيص.] .

أجاب الناسُ الداعي وتوافدوا وتهافتوا، وقلوبهم تهفو شوقاً وحنيناً إلى هذا البيت العتيق يأتون من كل فجٍ عميق.

قال ابن عباس رحمه الله في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}
[البقرة: 125], قال: “لا يقضون منه وطرًا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه” [ رواه الطبري في تفسيره: (1967 – 2/27).] .

وبذا صارت تلك البقعة خيرَ مكان على هذه المعمورة، وأحب مكان إلى الله تعالى، كما جاء عن عبد الله بن عدي رضي الله عنه
قال: رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت)
[رواه الترمذي: (3925), وابن ماجه: (3108), وصححه الألباني، صحيح ابن ماجة (2533).] .

 

وقد اختص ذلك البيتُ الحرام بخصائص غير ما سبق تميزه وتفضله على غيره، ومنها:

1. تضعيف الصلاة فيه، فصلاة فيه بمائة ألف صلاة، لحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) [ رواه أحمد: (16117), وابن حبان: (1620), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (3841).] .

2. أنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد لها الرحال كما قال صلى الله عليه
وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) [رواه البخاري: (1189), ومسلم: (1397) عن أبي هريرة رضي الله عنه .] .

3. أن المهدي -الذي هو أحد أشراط الساعة الكبرى- يخرج منها في آخر الزمان.

4. تطهيره من المسيح الدجال، كما جاء في الأحاديث الصحيحة
أنه ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة حافين يحرسونها
[رواه البخاري: (1881), ومسلم: (2943) عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه ولفظه: “لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ” .] . والنقب هو الطريق.

5. أن من هم بالسيئة يعاقب ولو لم يفعل السيئة، والى هذا أشار الله تعالى بقوله:
{ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}
[الحج: 25] [ انظر: تفسير ابن كثير: (4/ 148).] .

 

وأمام هذه المناسبة الشريفة نقف بعض الوقفات:

الوقفة الأولى: المبادرة بالحج لمن وجب عليه.

فمن تحققت فيه شروط وجوب الحج وهي الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والقدرة، وتزيد المرأة شرطاً سادساً وهو: وجود المحرم، فمن وجدت فيه هذه الشروط وجب عليه المبادرة إلى الحج على الفور ولا يجوز له التأخير، قال تعالى
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
[آل عمران: 97]، وعن ابن عباس مرفوعا
(تعجلوا إلى الحج – يعني الفريضة – فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) [ رواه أحمد: (2867), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2957).] .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين) [رواه البيهقي في الكبرى: (4/ 334), وسعيد بن منصور, كما في التلخيص, وصححه موقوفا: (2/ 488), وقال: وَلَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ, وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: (لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا – يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ – رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَوَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً وَخَلَّيْت سَبِيلَهُ) قُلْت: وَإِذَا انْضَمَّ هَذَا الْمَوْقُوفُ إلَى مُرْسَلِ ابْنِ سَابِطٍ عُلِمَ أَنَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا, وَمَحْمَلُهُ عَلَى مَنْ اسْتَحَل التَّرْكَ وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ خَطَأُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .ا.ه وانظر تمام البحث في روايته مرفوعا في: (النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة) لأبي إسحاق الحويني: (ص32 الشاملة).] .

والعجب أن بعض الناس تمادى به العمر وتقضت عليه السنون وهو يسافر في أرض الله شرقا وغربا إلا إلى الحج فهو بين تكاسل أو خوف أو وهم وتسويف.

ومما ينبغي بيانه أن المدين لا يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة ولو أذن له صاحب الدين، لأن المسألة ليست إذناً أو عدمه بل شغلٌ للذمة وعدمها، فإذن الدائن لا يبرئ ذمة المدين، لكن لو كان الدين مقسطا، وكان المدين يقدر على سداد القسط ويبقى معه مال يكفيه للحج مثل قرض صندوق التنمية العقاري فيلزمه الحج حينئذ.

كما نوصي الجميع باتباع التعليمات والأنظمة التي وضعتها الجهات المختصة مثل استخراج التصريح ومراعاة أنظمة المرور والسلامة وغيرها فإن هذه قصد منها المصلحةُ العامة، ولا تؤتي ثمارَها إلا إذا تعاون الجميع في التزام ذلك والتقيدِ به.

الوقفة الثانية: احرص أن يكون حجك مبرور

جاء في النصوص فضائل كثيرة للحج، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:
“الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” [ رواه البخاري: (1773), ومسلم: (1349).] , وعنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه” [رواه البخاري: (1521), ومسلم: (1350).] , وعن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنـوب كما ينفي الكير خبث الحـديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة” [رواه الترمذي: (810), وابن خزيمة: (2512), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2901).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتُك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة) رواه البزار في مسنده – البحر الزخار- (6177), والطبراني في الكبير: (13566), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (1360). وفيه زيادة في أوله وآخره]
.

ويكون الحج مبروراً إذا اجتمع فيه: الإخلاص لله تعالى فلا يقصد الثناءَ أو مسايرة الناس أو الأقران أو ليقال: الحاج فلان، أو جريا على عادة سنوية تعودها.

وأن يكون المال حلالاً والنفقة طيبة،

إذا حججت بمـــــال أصله سحــــتٌ *** فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبـــــل الله إلا كــــــــــل طيبــــــــــــــــــــــــــــةٍ *** ما كــــــــــــــل من حج بيت الله مبرور

 

وأن يؤدي النسك على وجهه، ويكون ذلك بعد تعلم الصفة المشروعة، ومما يعين على تعلم صفة الحج الصحيح مصاحبةُ طلبة العلم، واستصحاب الكتب المفيدة الواضحة. ويجتنب المحظورات، ويجتهد في عمل البر والإحسان إلى الناس، فبهذا يكون الحج مبرورا.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

الوصية الثالثة: استشعار معاني الحج ومقاصده

ليس الحج – أيها الحاج – نزهةً أو عادة أو تحركات بدنية مجردة، بل هو عبادة ذات مقاصد وغايات، عن عائشة قالت: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله” [رواه أبو داود: (1888), والترمذي: (918), وابن خزيمة: (2882), وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: (2882), وصحح إسناده الأعظمي في صحيح ابن خزيمة.] .

وأفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة فسمع وراءه زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال:
“أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع” [ رواه البخاري: (1671). عن ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.] .

الحج فرصة للدعاء وتوثيق الصلة بالله، كان صلى الله عليه وسلم يدعو على الصفا والمروة، وفي موقف عرفة إلى غروب الشمس، وعند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر إلى أن أسفر جدا، ووقف
صلى الله عليه وسلم طويلا يدعو ويتضرع بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى.

الحج فرصة لتطهير النفس وتهذيبها من أوضار الذنوب، والرجوع إلى الحياة بثوب جديد.

يستشعر الحاج في إراقة دم الهدي ما فيه من معاني التوحيد والتعظيم لله تعالى
{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ..}[الأنعام: 162].

تحقيق التوحيد في الحج يتجلى في صور كثيرة منها:

التلبية وهي شعـار الحج التي تتضمن إفرادا لله وحده لا شريك له بالعمل، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال: “فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك “ [ رواه مسلم: (1218).]

ومنها: عنايته صلى الله عليه وسلم بإخلاص العمل ، وسؤاله من ربه أن يُجنَّبه الرياء والسمعة، كما في حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً قال: “اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة” [ رواه ابن ماجه: (2890), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1302). عن أنس رضي الله عنه .] .

ومنها: قراءته صلى الله عليه وسلم في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص الكافرون وقل هو الله أحد،

كما روى جابر رضي الله عنه قال: “فقرأ فيهما بالتوحيد، و
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}
[رواه أبو داود: (1909), رواه أحمد: (14440), وصححه الألباني في صحيح أبي داود: (1667). وأصل الحديث في مسلم: (1218).] ، وفي رواية: “قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: }قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{ و }قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [ رواه الترمذي: (869), وصححه الألباني في صحيح وضعيف الترمذي.] .

ومنها : دعاؤه صلى الله عليه وسلم على الصفا والمروة بالتوحيد، كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: “.. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده .. قال مثل هذا ثلاث مرات..حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ..” [سبق تخريجه.] .

ومنها: دعاؤه صلى الله عليه وسلم في عرفة بالتوحيد، كما في حديث: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” [ رواه الترمذي: (3585), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (3274). عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: “كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: ” لا إله إلا الله … ” الحديث، وزاد فيه: “بيده الخير” رواه الفاكهي في أخبار مكة: (2759), وضعف إسناده محققه.]

 

الوصية الرابعة: الرفق بالأهل في الحج

وهذا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في حجته، وذلك في وقائع كثيرة منها ما وقع لزوجه عائشة رضي الله عنها حين حاضت بعد أن أحرمت فدخل عليها وهي تبكي فواساها وأخذ بخاطرها وقال: “لا يضرك، أنت من بنات آدم وهذا شيءٌ قد كتبه الله عليهن” وقال: “يسعك طوافك لحجك وعمرتك” [رواه مسلم: (1211).] , لكنها لم ترض إلا أن ترجع بعمرة مفردة فحبس نفسه عن الرحيل بعد الفراغ من الحج وأمر أخاها أن يذهب بها إلى التنعيم لتحرم من الحل وتأتي بعمرة مفردة تطييباً لخاطرها .

يقول جابر – في تلك القصة –: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه [رواه مسلم: (1213). ] .

وفي سير أعلام النبلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بنسائه، فبرك بصفية جملها ; فبكت، وجاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما أخبروه، فجعل يمسح دموعها بيده، وهي تبكي [(2/233).] .

ومن ذلك أنه قدم الضعفة من أهله في النفرة من مزدلفة ليلة العيد، واستأذنته سودة زوجه أن تدفع قبل حطمة الناس وكانت امرأة بطيئة فأذن لها.

وكان حريصا على تعليمهم أحكام المناسك وشرائع الدين كما قال لعائشة حين حاضت قبل أن تطوف: “افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري” [رواه البخاري: (305), ومسلم: (1211). عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.] .

وإرشاده وتعليمه للمريض فإنه صلى الله عليه وسلم دخل على عمته ضباعة بنت عبد المطلب وهي عليلة فقـال: “ما يمنعك عن الحج يا عمتاه؟ فقالت: أنا امرأة سقيمة وأنا أخاف الحبس، فقال: فأحرمي واشترطي أن محلك حيث حُبست” [رواه البخاري: (5089), ومسلم: (1207). وابن ماجه: (2936) واللفظ له.] ، فمن كان يحج بامرأة أو أكثر فعليه بالصبر والاحتساب ومراعاة حال المرأة وضعفها وخوفها من الزحام، أو طروء الحيض الذي يباغت بعض النساء بسبب اختلاف الحال عليها، وليحذر من التعنيف وسوء الخلق أو السب الذي يقع فيه بعض الرجال مع نسائهم في الحج أو العمرة.

أما من لم يحج هذا العام فنحثه باغتنام ما بقي من هذه العشر الفاضلة بأنواع العمل الصالح، والحرص على صوم يوم عرفة فإنه يكفر سنتين، والحرص على حضور صلاة العيد، وذبح الأضحية لمن كان قادرا عليه فإنها سنة مؤكدة، وقيل بوجوبها، وكذا عمارة أيام التشريق – وهي 11، 12، 13 – بالتكبير المطلق والمقيد عقب الصلوات المكتوبة، فهي الأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى:
{واذكروا الله في أيام معدودات}[البقرة: 203]. عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله” [رواه مسلم: (1141).] .

وهي أيام عيد أيضا، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام وهي أيام أكل و شرب) [رواه أبو داود: (2419), والترمذي: (773), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (8192). عُقبة بنَ عامرٍ رضي الله عنه .] , ولذا لا يجوز صومها إلا لمن لم يجد الهدي.

وفيها يجتمع للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبهذا تتم النعم.

إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام وقصدوا البيت الحرام وملأوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، من لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.

اللهم احفظ الحجاج من كل سوء ومكروه، ويسر لهم أداء مناسكهم، وتقبل منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.