الغناء
admin 14 يوليو 2018 0 14

إن الحمد لله ..

أيها الناس .. إن الله تعالى بحكمته وقدرته خلق الإنسان وصوره وأبدعه في أحسن تقويم، }أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ] {السجدة: 9 [, }وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{  ]النحل: 78 [.، هذه الحواسُ والآلات من أعظم النعم على العبد، ولا سيما السمع والبصر فقد ذكرهما الله جل وعلا في كتابه في تسعة عشر موضعا من كتابه الكريم، وقدم السمع على البصر في سبعة عشر موضعا، مما يدل على عظيم منزلته وقدره.

لكن هذه الحواسَ سخرت للعبد، وطوعت له يتنعم بها اختبارا وامتحانا في هذه الدار ما دام حيا، ثم يكون الحساب يوم الحساب، }إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] { الإسراء: 36[، فانتبه يا عبد الله وكن يقظا لهذه الآية، فسوف تسأل عن سمعك ماذا سمعت؟

عن أبي هريرة [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدركٌ ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرجُ ويكذبه)([1]).

إن هذه الأعضاءَ والجوارح كالعين والأذن إذا استعملت في معصية الله تنقلب شاهدة على صاحبها يوم القيامة، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله
[صلى الله عليه وسلم] فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعدا لكُنَّ وسحقا، فعنكن كنتُ أُناضِل ([2]).

أيها الإخوة .. إذا تقرر هذا وعلم؛ فإن أكثر ما صرفت فيه الأسماع من الحرام: سماعَ الغناء.

الغناءُ الذي يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ويقسي القلب، ويذهب نورَ الإيمان وحلاوة القرآن. هذا الغناء الذي وقع البلاء به وعمَّ، وانتشر الخوضُ فيه وطمَّ.

الغناء يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد

حب الكتاب وحب ألحان الغنا  ***  في قلب عبد ليس يجتمعان

الغناء يهيج النفوس إلى الشهوات والفواحش والخواطر الرديئة، وهو جاسوس القلب وسارق المروءة وسوس العقل، فبينا ترى الرجل وعليه سمةُ الوقار وبهاءُ العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقلُه وقل حياؤه وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه وتخلى عنه وقاره وفرح به شيطانه.

قال تعالى: }ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين{  ]لقمان: 6 [قال الواحدي رحمه الله, وغيرُه: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء ([3]).

وصح ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ([4]).

قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود [رضي الله عنه] عن قوله تعالى: }ومن الناس من يشتري لهو الحديث{ فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء، يرددها ثلاث مرات ([5]).

وعن أبي عامر وأبي مالك الأشعري رضي الله عنهما أنهما سمعا النبي [صلى الله عليه
وسلم] يقول: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)([6]). رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ورواه أحمد وأبو داود موصولاً بسند صحيح. والمعازف آلات اللهو والطرب.

وورد في جملة من الأحاديث الإخبارُ بوقوع المسخ في هذه الأمة، وهو مقيد بأصحاب الخمور والمعازف.

وعن عبد الرحمن بن عوف [رضي الله عنه] قال : أخذ النبي [صلى الله عليه وسلم] بيدي، فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنِه، وهو يجود بنفسه، فأخذه النبي
[صلى الله عليه وسلم] في حجره حتى خرجت نفسه، قال: فوضعه وبكى، قال: فقلت: تبكي يا رسول الله، وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: (إني لم أنه عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة؛ لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة؛ لطم وجوه وشق جيوب)([7]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: (إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة)([8]). والكوبة هو: الطبل.

والغناء صوت الشيطان كما جاء عن مجاهد بن جبر إمام المفسرين رحمه الله أنه قال في قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) قال: صوته: الغناء والباطل ([9]).

وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله عن الغناء؟ فقال له: أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك ([10]).

ذكر هذا ابن القيم رحمه الله ثم عقب عليه فقال: (فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات المطربات، فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته، فمن أبطل الباطل أن تأتي شريعة بإباحته)([11]).

أقول: رحم الله ابن القيم يقول هذا قبل سبعة قرون، فكيف لو رأى الغناء في عصرنا، وما وصل إليه من المجون والعري والفحش، مع ما يصاحبه من التسجيل المصور بين الرجل والمرأة في مناظر مخزية، ومشاهد فاضحة، تقتل الفضيلة وتقضي على الحياء.

تسابقت القنوات في هذا المجون باسم الفنون، وأنفقت الأموالُ الطائلة في إنتاج هذه الأغاني وتصويرها وبثها، حتى ذكرت إحدى الإحصائيات الحديثة هذا العام أن القنوات العربية بلغت 696 قناة منها 115 قناة في الأغاني والموسيقى والمنوعات، تتسابق في إفساد الشباب، ونشر العفن والرذيلة، وقتل ما تبقى من العفة والحياء والفضيلة.

والعجب العجاب أن يفتح لهم المسلمُ العاقلُ بيتَه، ويسلم لهم نفسه وزوجته وأولاده، فيسمع ويرى ما يندى له الجبين، ولمثل هؤلاء نقول: اتق الله، }إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا { [الإسراء: 36[

هل سمعتم أيها الإخوة مغنيا يحث الناس على صلاة الجماعة أو صلة الرحم أو بر الوالدين؟ إن غالب هذه الأغاني تدور حول النوح على الزمان، والاعتراض على القدر، وترداد كلمات العشق والهيام، والوصل والغرام، مع التأوهات والتكسر والتغنج مما يؤجج الغرائز، ويثير الكوامن، ويحرك الساكن. حتى سماه جماعة من أهل العلم رقية الزنا، فإن النفس تتأثر بالأصوات والإيقاعات ولا سيما المرأة فهي سريعةُ الانفعال جدا، ولهذا قال النبي
[صلى الله عليه وسلم] لأنجشة حاديه: (يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالقَوَارِيرِ ، يعني النساء)([12]).

وقال يزيد بن الوليد – أحد خلفاء بني أمية -: يا بني أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فتجنبوه وجنبوه النساء والأولاد فإن الغناء داعيةُ الزنا.

قال ابن مسعود [رضي الله عنه]: (الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع)([13]).

وسئل الإمام مالك رحمه الله عن الغناء فقال: (إنما يفعله عندنا الفساق)([14]). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: (الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني)([15]).

وكتب عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – إلى مؤدب ولده: (ليكن أولَ ما يعتقدون من أدبك بغضُ الملاهي، التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخطُ الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضورَ المعازف واستماعَ الأغاني واللهجَ بها؛ ينبتُ النفاقَ في القلب، كما يَنبتُ العشبُ على الماء).

وقال الحسن البصري رحمه الله: (صوتان ملعونان؛ مزمار عند نغمة، ورنةٌ عند مصيبة).

وقال الضحاك رحمه الله: (الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب).

وقال ابن القيم رحمه الله: “ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقلُّ ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور”([16]).

أيها الإخوة .. وهذا الغناء له بضعة عشر اسما منها: اللهو واللغو والباطل والزور ورقية الزنا وقرآن الشيطان ومنبت النفاق في القلب والصوت الأحمق والصوت الفاجر وصوت الشيطان ومزمور الشيطان وغيرها.

أسماؤه دلت على أوصافه  ***  تبا لذي الأسماء والأصاف

أيها الإخوة .. وقد تتابع علماء الإسلام في شتى العصور والبلدان على القول بتحريمه ومنعه، بل حكى العشراتُ منهم الإجماعَ على تحريمه من عهد السلف إلى يومنا هذا، والمذاهبُ الأربعة متفقةٌ على تحريمه، والفتوى في بلادنا على ذلك، حتى قال ابن حجر الهيتمي: “ومن حكى خلافا في الغناء فإنه قد وهم وغلط، وغلب عليه هواه حتى أصمه وأعماه”([17])، وقال أيضا: “لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المجتهدين من قال بإباحة المعازف”([18]).

وعد بعض أهل العلم سماع الغناء من الكبائر، ومنهم: ابن النحاس والهيتمي وغيرهما.

وبعد هذا .. فقد وضح الحقُ ولاحت معالمه، وبان الصبح لذي عينين 

 

برئنا إلى الله من معشر *** بهم مرضٌ من سماع الغنا

وكم قلت: يا قوم انتم على *** شفا جرف ما به من بنا

شفا جرف تحـته هوةٌ *** إلى دَرَك كم به من عنا

وتكرار ذا النصح منا لهم *** لنعذر فيـــهم إلى ربنا

فلما استهانوا بتنبيهنا *** رجعنا إلى الله في أمرنا

فعشنا على سنة المصطفى *** وماتوا على تنتنا تنتنا

بارك الله ..

 

 

الخطبة الثانية:

أنبه أيها الإخوة إلى أمرين مهمين:

الأول: أنه عرف من الواقع أن من أدمن سماع الغناء؛ ثقلت عليه العبادة وملها، من الصلاة وقراءة القرآن وسائر أنواع الذكر، وتجده لا يذوق طعما للعبادة ولا أثرا، لأن القلب إناء صغير وقد امتلأ بهذا الغناء، ويستمر هذا الثقل حتى ساعة الاحتضار، فتثقل عليه كلمة التوحيد ولا يقوى على النطق بها، كما ذكر ابن القيم أن أحد المحتضرين قيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء. وذكر بعض المعاصرين أنه حضر حادثا على أحد الطرقات واقترب من أحد المصابين ليلقنه لما رأى من حاله، فسمعه يقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا.

فمن أراد طيب العيش وسعادة القلب وقرة العين فعليه بذكر الرحمن وليبتعد عن ذكر الشيطان.

الأمر الثاني: أن الفتوى في أمور الدين مقام عظيم وموقف خطير، وهو توقيع عن رب العالمين، وقد كان السلف على وفرة علمهم وورعهم يتدافعون الفتوى ويفرون منها، ويود أحدهم أنه كفيها، وتغير الحال في هذا الزمان وخف وقعها على البعض فتسرعوا وتجرأوا، فعلى المسلم أن يحتاط لدينه، وأن لا يأخذ إلا عمن هو أهلٌ في علمه ودينه.

أرأيتم لو أصيب أحدنا بمرض في عينه، أكان يذهب إلى أي طبيب؟ كلا بل سيبحث عن أمهر الأطباء وأحذقهم في طب العيون لخطورة الأمر، ألا إن أمور الأديان أعظم من أمور الأبدان.

اللهم ..

 

([1]) رواه مسلم (2657).

([2]) رواه مسلم: (2969).

([3]) التفسير الوسيط للواحدي: (3/ 441).

([4]) انظر: تفسير الطبري (20/ 128).

([5]) رواه ابن جرير في تفسيره: (20/ 127), والبيهقي في الشعب: (5096), وقال الألباني في الصحيحة (6/1017): قال الحاكم: ” صحيح الإسناد “. ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.

([6]) رواه البخاري, معلقا: (5590), ورواه أبو داود (4039)، وابن حبان (6754) ، والطبراني في “الكبير” (3417) موصولا. انظر: الصحيحة: (91).

([7]) رواه الترمذي: (1005), والحاكم: (6825), والبيهقي في الشعب: (9684), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (5194).

([8]) رواه أبو داود: (3696), وأحمد: (2476), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (7336).

([9]) تفسير الطبري: (17/490).

([10]) إغاثة اللهفان، لابن القيم: (1/ 243).

([11]) المرجع السابق.

([12]) رواه البخاري: (6149), ومسلم: (2323).

([13]) رواه البيهقي في الشعب: (4744), وقال الألباني في (تحريم الات الطرب): وروي مرفوعا إلى النبي
[صلى الله عليه وسلم] والصحيح موقوف كما قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (1 /248)، ولذلك خرجته في الضعيفة: (430).

([14]) رواه أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف: (ص 32).

([15]) تلبيس إبليس: (ص 203).

([16]) إغاثة اللهفان: (1/ 228).

([17]) كف الرعاع: (ص118).

([18]) المرجع السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.