العمل والكسب في الإسلام وعلاج البطالة [2]
admin 27 يوليو 2018 0 2

إن الحمد لله ..  اتقوا الله ..

أيها الإخوة .. سبق الحديث عن نظرة الإسلام إلى العمل والكسب، وسياق النصوص والشواهد على حث الشارع على الكسب وطلب المعيشة والاستغناء عن الناس، وضرب الأمثلة من سادات الناس وهم الأنبياء والمرسلون والأصحاب الطيبون، وكيف كانوا يمتهنون ويعملون ويتكسبون. ونصل الحديثَ بذكر بعض الآداب والتوجيهات لمن كان على رأس العمل، أو كان عاطلا يبحث عن عمل، فمن ذلك:

التوكل على الله, والثقة بكفايته وحسن الظن به، مع التضرع إلى الله بالسؤال والدعاء، وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه, كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم)([1]). وقد قال الله تعالى في كتابه: }واسألوا الله من فضله{ [النساء: 23], وقال سبحانه: }فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله { [الجمعة: 10], وهذا وإن كان في الجمعة فمعناه قائم في جميع الصلوات. وقال الخليل
[صلى الله عليه وسلم]: }فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له{[الشورى: 17].

ولهذا والله أعلم شرع لمن خرج من المسجد أن يقول: (اللهم إني أسألك من فضلك)([2]).

التوكل مقام عظيم في الدين، وهو من أعمال القلوب، ومعناه: صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها.

يـا صاحب الهـم إن الهم منفرج  *** أبشر بِخيْر فإن الفارج الله

إذا ابتليـت فثق بالله وارض به  ***  إن الذي يكشف البلوى هو الله

اليـأس يقطع أحيانًا بصاحبه  ***  لا تيأسن فإن الكافي الله

واللَّه مـا لك غيْرُ الله من أحـد   ***  فحسبك الله فِي كلّ لك الله

التوكل الحق سبب للرزق. عن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] مرفوعاً: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لزرقكم كما يرزقُ الطيرَ، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)([3]). فهذه الطيور تذهب أول النهار جائعة ضامرة البطون، وتعود آخره قد شبعت من الطعام.

وقد ترك بعضُ الناس العملَ والكسب بحجة التوكل على الله، فأنكر عليهم الإمام أحمد في ذلك إنكارا شديدا، وقال: “ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله عز وجل، ولكن يعودون أنفسهم بالكسب، فمن قال بخلاف هذا القول فهذا قول إنسان أحمق”.

ثم إن المؤمن يوقن أن رزقه كتب وهو في بطن أمه، وهو بيد الله فيتوكل عليه في حصوله لا على غيره. وبعض الناس يعيش في هم ونكد، بسبب هذه اللقمة، كيف يوفرها لنفسه ولأولاده، ولو فوض الأمر إلى ربه لجاءه الرزق وهو قرير العين.

فمن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأظلمت الدنيا في عينيه، وشحت أمامه الفرص، وأغلقت الأبواب؛ لا تيأس، وعلق قلبك برب كريم رحيم، وانطرح بين يديه سائلا بذُلٍّ ورغبة، وابذل الأسباب، وأبشر بالفرج.

حسن النية، فإن النية لها أثر في بركة العمل.

والمراد أن يتفقد المرء نيته في عمله، فينوي بعمله إعفافَ نفسه والسعيَ على من يعولهم بالنفقة وتحصيل المال الذي يتقرب فيه إلى ربه بأعمال البر، وفي الحديث عن أبي هريرة
[رضي الله عنه] مرفوعا (من سعى على عياله ففي سبيل الله)([4])، وقال
[صلى الله عليه وسلم]: (شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس)([5]).  ومما يدل على أثر النية قوله
[صلى الله عليه وسلم]: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعمل لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله تعالى علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعمل لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء)([6]).

الصبر وعدم العجز. فالصبر شأنه عظيم، ولا بد منه لمن طلب المعيشة وسعى في جوانب الأرض، وفي الحديث عنه
[صلى الله عليه وسلم] قال: (إنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي مِنْ اللَّهِ لِلْعَبدِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤونَةِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ يَأْتِي مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْبَلَاءِ)([7]).

اصبرْ قليلاً فبعد العُسْرِ تيسيرُ  ***  وكُلُّ أمرٍ له وَقْتٌ وتدبيرُ

وللمهيمنِ في حالاتِنا نظرٌ  ***  وفوقَ تقديرِنا للّهِ تقديرُ

والحذر الحذر من العجز والضجر، وكثرة التشكي وسرعة الملل، وفي الحديث عن أبي هريرة
[رضي الله عنه] قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)([8]).

إِني رأيتُ وفي الأيامِ تجربةٌ  ***  للصبرِ عاقبةٌ محمودةُ الأثرِ

وقلَّ من جدَّ في أمرٍ يطالبُهُ  ***  فاستصحبَ الصبرَ إِلا فازَ بالظفرِ

وقال أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة، الملازم للأماني المستحيلة.

إن مشكلة كثير من الشباب قلةُ الصبر وسرعة الضجر والملل، وكثرة التنقل والتغيير، وعدم الجلد والتحمل، وإيثار الراحة والكسل.

فإلى متى النومُ وضياعُ زهرة العمر الشباب؟ وإلى متى وأنت عالةٌ على أهلك في أمورك ومعيشتك مع قدرتك على الكسب وتحصيل الرزق؟.

التبكير والجد والمبادرة، فعن صخر الغامدي [رضي الله عنه] قال رسول الله [صلى
الله عليه وسلم]: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) قال: وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار. وكان صخرٌ رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله ([9]).

وكان الزبير [رضي الله عنه] ينهى بنيه عن التصبح – أي النوم في الصباح – وَقَالَ عُرْوَةُ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ بِالرَّجُلِ يَتَصَبَّحُ فَأَزْهَدُ فِيهِ» ([10])، ورأى ابن عباس رضي الله عنهما ابنا له نائما نومة الصبحة، فقال له: قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟! ([11]).

فمن كان يسهر الليل وينام النهار فكيف يحصل العمل، ويكتسب المعيشة؟!.

إن الأمر يتطلب سعيا وبكورا وجدا، فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.

عزة النفس وعدم الاعتماد على الغير، فإن الكريم عزيزُ النفس، ومتى بلغ الشاب مبلغ القدرة على العمل، فعليه أن يكون أهلا لتحمل المسؤولية، والعزم والحزم مع النفس، وأخذ الأمور مأخذ الجد. فهذا عبد الرحمن بن عوف
[رضي الله عنه] لما قدم المدينة مهاجرا آخى النبي [صلى الله عليه وسلم] بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض الأنصاري على عبد الرحمن أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق ([12])، فانظر كيف آثر العمل والسعي بنفسه مع تيسر المال والزوجة التي عرضت عليه، فأتى السوق وعمل، وباع واشترى، فربح وأثرى .

عدم احتقار المهنة، وهذا مما يقع فيه كثير من الشباب أنه يأنف من العمل المهني احتقارا له، وظنا أنه من العيب والمهانة، والنبي
[صلى الله عليه وسلم] عمل في رعي الغنم وهو أشرف الخلق، وداود عليه السلام كان حدادا، وكان زكريا عليه السلام نجارا، وأجاب
[صلى الله عليه وسلم] دعوة خياط، ولما ولد له ابنه إبراهيم دفعه إلى أم سيف ترضعه وهي امرأة حداد ينفخ الكير كما ثبت في الصحيحين، وأول منبر في الإسلام صنعه غلام نجار فقام عليه النبي
[صلى الله عليه وسلم] وصار يخطب عليه كل جمعة.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

النصح في العمل، وذلك بأداء الواجبات وإعطائه ما يستحقه من الاهتمام والإخلاص، وفي الحديث عن أبي هريرة
[رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (خير الكسب كسب العامل إذا نصح)([13])، ومن ذلك: أداء الأمانة، والإتقان والإجادة كما قال
[صلى الله عليه وسلم]: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)([14])، والتقيد بأنظمة العمل من الالتزام بأوقاته، وطاعة المدراء، وحسن التعامل مع الزملاء، والمحافظة على الممتلكات، وحفظ الأسرار، ونحو ذلك مما يعد من النصيحة والرعاية لهذا العمل.

عدم النظر والمقارنة بفلان وعلان، وهذا مما يقع فيه بعض الناس حين ينظر إلى فلان الذي كان زميلا لي في الدراسة، وقد سبقني في المرتبة، وفلان الذي هو أصغر مني؛ راتبه أكثر من راتبي، والثالث حصل على ترقية لم أحصل عليها، وهكذا يجر على نفسه الحسرات والهموم، وربما أوقعه ذلك في داء الحسد، أو مصيبة الاعتراض على قدر الله والعياذ بالله، أو ربما جره ذلك إلى سلوك طرق الحرام ليحصل على المال كما حصل لغيره، والمؤمن يوقن أن الأرزاق مكتوبة مقدرة، وكما قال
[صلى الله عليه وسلم]: (يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم)([15]).

كما يجب أن نستحضر الوصية النبوية التي تعتبر دواء نفسيا مريحا، وهو ما ثبت عنه
[صلى الله عليه وسلم] أنه قال: (إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفلَ منه)([16]). متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: (انظروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)([17]).

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم إنا نسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا، اللهم أصلح لنا ديننا .. وأصلح لنا دنيانا ..

 

([1]) رواه مسلم: (2577). عَنْ أَبِي ذَرٍّ
[رضي الله عنه] .

([2]) رواه مسلم: (713). عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ
[رضي الله عنه]  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ”.

 قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (10/662): “الاستعانة بالله واللجوء إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم”.

([3]) رواه الترمذي: (2344), وأحمد: (205), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (5254).

([4]) رواه الطبراني في الأوسط (4214), والبيهقي في الشعب (8338), وصححه الألباني في الصحيحة (2232).

([5]) رواه الحاكم: (7921), والطبراني في الأوسط: (4278), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (73).

([6]) رواه الترمذي: (2325), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (3024). عن أبي كبشة الأنماري
[رضي الله عنه] .

([7]) رواه البيهقي في الشعب (9483), ورواه البزار (8878), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (1952). عن أبي هريرة
[رضي الله عنه] .

([8]) رواه مسلم: (2664).

([9]) رواه الترمذي: (1212), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1300).

([10]) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (25442).

([11]) زاد المعاد: (4/ 221).

([12]) رواه البخاري: (2048), ومسلم: (1427) عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
[رضي الله عنه] .

([13]) رواه أحمد: (8412), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (3283).

([14]) رواه الطبراني في الأسط: (897), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (1880).

([15]) رواه ابن ماجه (2144), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2742) عن جابر رضي الله عنهما.

([16]) رواه البخاري: (6490), ومسلم: (2963). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
[رضي الله عنه] .

([17]) رواه مسلم: (2963).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.