الخشوع في الصلاة (4)
admin 6 مارس 2016 0 262

إن الحمد لله .. أما بعد .. اتقوا الله

أيها الإخوة .. سبق الحديث عن منزلة الخشوع في الصلاة وذكر جملة من الأسباب المعينة على تحصيله، ونواصل اليوم ذكرَ بقيةِ الأسباب الأخرى، وما ذاك إلا لأهمية الموضوع غاية الأهمية، فالصلاة ثاني أركان الإسلام، والخشوع روحها ولبها، وثواب الصلاة على حسب الخشوع وحضور القلب فيها، فمن الأسباب المعينة على الخشوع وحضور القلب:

10. الحرص على أداء الصلاة كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بتعلم صفة الصلاة من التكبير إلى التسليم بأركانها وواجباتها وشروطها وسننها، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي [رواه البخاري (631), عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه .] ، والحذر من الأخطاء والمخالفات التي يقع فيها كثير من المصلين، وتخل بالخشوع وحضور القلب فيها، ومن ذلك مثلا:

أ. نقر الصلاة وعدم إتمامها، وهذه ظاهرة مؤسفة تحز في النفس، فالطمأنينة ركن من أركان الصلاة، وفي الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته)، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها ولا خشوعه [رواه البيهقي: (2847) واللفظ له, وصححه الألباني في صحيح الجامع: (986), وفي رواية لأحمد: (22642) (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا, أَوْ قَالَ: لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ), وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب: (1/ 345)، وصححه محققو مسند الإمام أحمد. وله ألفاظ متعددة, عن أبي سعيد, وأبي هريرة رضي الله عنهم.] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع [رواه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 288)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب: (1895)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (2535).
عن طلق بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ – عز وجل – إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا) رواه أحمد: (16283), والطبراني في الكبير: (8261), وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 346): (حسن صحيح). ]
.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطمئن في صلاته حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ورد المسيء في صلاته ثلاث مرات وهو يقول له: ارجع فصلِّ فإنك لم تصل [رواه البخاري: (757), ومسلم: (397) عن أبي هريرة رضي الله عنه .] ، ثم علمه الصلاة بالطمأنينة في الأركان، فيجب الاعتناء بهذا الأمر وتنبيه المخطئين لا سيما بعض العمال الذين ينقرون الصلاة.

قال ابن القيم في كتاب الصلاة: (ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعا بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوع) [ الصلاة لابن القيم: (ص 109).] .

ب. الالتفات، وهذا من مكروهات الصلاة أن يلتفت المصلي برأسه يمينا أو شمالا، عن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه) [رواه أبو داود: (909), والنسائي: (1196), وأحمد: (21508), وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، برقم: (554)، وقال محققو مسند الإمام أحمد برقم: (21508): (صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين).]

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: (هو اختلاسٌ يختلسه الشيطانُ من صلاة العبد) [رواه البخاري (751).] .

وعن علي رضي الله عنه قال: (الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالاً [أخرجه ابن المبارك في الزهد: (1148) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 279).] .

قال مجاهد رحمه الله: (كان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن – عز وجل – أن يشذ نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه في أمر الدنيا إلا ناسيا ما دام في صلاته).

وقال عمرو بن دينار: (كان ابن الزبير يصلي في الحجر، والمنجنيق يصيب ثوبه فما يلتفت) يعني: لما حاصروه.

فعلى المسلم أن يعتني بصلاته فهي رأس ماله الذي يدخره ليوم حسابه، وأن يجتهد في تعلم أحكامها وصفتها المشروعة إما بالقراءة أو السماع لأهل العلم في ذلك، ومما ينصح به قراءة كتاب (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها) للعلامة الألباني رحمه الله.

 

11. تنويع القراءة والأذكار والأدعية، وهذا من الأسباب المفيدة جدا في حضور القلب في الصلاة، فينوع المصلي فيما يقرأه ولا يلتزم سورة أو سورا قليلة معينة لا يغيرها لأنه بهذا يألف ما يردده عبر سنين كثيرة فيكون كالآلة التي تتكلم بدون فهم أو حضور قلب، بل ينوع في دعاء الاستفتاح وفي أذكار الركوع والسجود، والأدعية، وليجعل المصلي صلاته روضة غناء يتنقل فيها بين أفانين الذكر والتلاوة والدعاء، وحينذاك سيجد للصلاة مذاقا آخر لم يطعمه من قبل.

ومن فوائد ذلك إضافة إلى حضور القلب أن فيه إحياءً للسنة، وحفظا لها من الضياع والإندراس. ومما يفيد في هذا مراجعة الكتاب السابق في صفة الصلاة لحفظ بعض ما ورد من تلك الأذكار والأدعية.

 

12. التقليل من الحركة والعبث، فإذا سكنت الجوارح سكن القلب وحضر.

ورأى ابن المسيب مصلياً يعبث في صلاته فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) [رواه ابن المبارك في الزهد (ص: 419)، وعبدالرزاق: (2/ 266), (3308)، وابن أبي شيبة: (2/ 289) (6854)، موقوفا على سعيد بن المسيب. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (110): “فالحديث موضوع مرفوعا، ضعيف موقوفا بل مقطوعا، ثم وجدت للموقوف [على سعيد] طريقا آخر؛ فقال أحمد في مسائل ابنه صالح: (ص: 83): حدثنا سعيد بن خثيم قال حدثنا محمد بن خالد عن سعيد بن جبير قال: نظر سعيد إلى رجل وهو قائم يصلي … إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد، يشهد لما تقدم عن العراقي أن الحديث معروف عن ابن المسيب”. اهـ] .

ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول: (اللَّهم زوّجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث؟).

وقال ثابت البناني رحمه الله: (كنت أمر بابن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة، لا يتحرك).

وعن يحيى بن وثاب رحمه الله: (أن ابن الزبير كان إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذْم حائط).

وإلى الله المشتكى من كثرة عبثنا في صلاتنا، فهذا يعدل غترته، وذاك يغمز أصابعه ويفرقعها، وثالث يراقب ساعته، وهكذا انشغلنا عن صلاتنا وعن الخشوع فيها بكثرة الحركة والعبث.

 

13. النظر إلى موضع السجود، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض) [البيهقي في السنن الكبرى: (2/ 283)، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي – صلى الله عليه وسلم -، ص80، وقال: (وللحديث .. شاهد من حديث عشرة من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -).] .

ويستثنى من ذلك حال الجلوس فينظر إلى أصبعه السبابة كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم [عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه: (فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصنع) رواه النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد، برقم: (1660)، وقال الألباني في (صحيح سنن النسائي): حسن صحيح.]

 

14. ومن الأمور المعينة على الخشوع: عدم التشويش على الآخرين، وهذا مما ينبغي مراعاته، وهو من خلال الأدب والمروءة التي جاء بها الشرع، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتْرَ وقال: (ألا إنَّ كُلَّكم مُناج رَبَّهُ، فلا يُؤْذيَنَّ بعضُكم بعضاً، ولا يَرَفَعْ بعضُكم على بعضٍ في القِراءةِ- أًو قال: في الصلاة) [رواه أبو داود: (1332), وأحمد: (11896), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2639).]

 

فليحذر المسلم أن يؤذي أخاه أو يشوش عليه برفع صوته بقراءة القرآن أو بالأذكار التي تشغله عن صلاته أو قراءته. وأولى من ذلك ثم أولى أن يكون إشغال المصلين والتشويش على خشوعهم بنغمات الجوال المزعجة كما نسمعه في المساجد من نغمات الموسيقى والأغاني التي تصدح في بيوت الله وتزاحم كلام الله، وتشوش على المصلين صلاتهم ومناجاتهم لربهم.

 

15. النظر في سير العباد والخاشعين. وأولهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي مر طرف من خشوعه في صلاته وحسن عبادته لربه.

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتُه [ الإحياء: (1/151).] .

وكان سعيد التنوخي رحمه الله إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته.

وكان علي بن الحسين إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: ما لك ؟ فقال: (تدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟ [حلية الأولياء: (3/ 133), وسير أعلام النبلاء: (4/ 392).]

وذكروا عن يعقوب الحضرمي رحمه الله أنه سرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة، ولم يشعر، ورد إليه فلم يشعر؛ لشغله بعبادة ربه.

وصلى الإمام البخاري يوماً في بستان فلما فرغ رفع قميصه وقال لبعض من معه: انظر أترى شيئاً؟ فإذا زنبور قد لسعه في سبعة عشر موضعاً وقد تورم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها!.

 

16. الدعاء بتحصيل هذا الأمر، فهذا مقام عظيم ينبغي أن يكون هما لكل مسلم، وأن يسأل ربه حصول هذا المطلوب {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} [غافر:60], وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ بالله من قلب لا يخشع.

فمن كان يعاني ضعفا في الخشوع – وكلنا كذلك – فليسأل ربه ولينطرح بين يديه وليلح عليه أن ينيله هذه المرتبة ويمنَّ عليه بها، فإن الله أكرمُ وأجود من سئل، ولا يرد من دعاه، ولا يخيب من رجاه، جل في علاه.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أيها الإخوة .. ها قد عشنا سويا ثلاث جمع متوالية سمعنا فيها ستة عشر سببا لتحصيل الخشوع وحضور القلب في الصلاة، وإن الأمر والله عظيم وفي غاية الأهمية، لأنه أول شيء يرفع من هذه الأمة، حتى لا ترى فيها خاشعا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال عمر رضي الله عنه: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة.

وقال حذيفة رضي الله عنه: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم رجلا خاشعً [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (34808)، وأبو نعيم في حلية الأولياء: (1/281)، وقال المناوي في فيض القدير (3/ 114): (قال الزين العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيثمي: فيه عمران القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد).] .

 

أيها الإخوة .. إن هذه الصلاة أفضلُ ما ندخره ونقدمه ليوم معادنا بعد توحيد الله، أفلا نجتهد في تقديم ما يسرنا إذا قدمنا على ربنا، وفتحت صناديق العمل، فلنعاهد أنفسنا ولنجدد العزم من اليوم أن نجعل صلاتنا عبادة لا عادة، صلاةً يؤديها القلبُ قبل الجوارح، صلاةً تزيدُ في إيماننا، وتقربنا من خالقنا، صلاةً تهذبُ أخلاقنا وتصلح أحوالنا، وتأمرنا بالمعروف وتنهانا عن الفحشاء والمنكر.

 

يقول ابن القيم رحمه الله: (الناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها : مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانه

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبُه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك – يعني كالرابع – ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظرا بقبله إليه مراقبا له، ممتلئا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به.

 

فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه، لأن له نصيبا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا؛ قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة، وقرت عينه أيضا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات [الوابل الصيب (ص 23).] أ.ه

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.