التقوى [3]
admin 14 يوليو 2018 0 2

الحمد لله .. أما بعد

عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، فقد علمنا ما للتقوى من ثمرات جليلة في الدنيا والآخرة تسوق العاقل سوقا أن يبادر أيامه فينضوي تحت لواء التقوى، ويدخل في حزب المتقين.

إن المتقين قومٌ يُعرفون بإيمانهم وأخلاقهم، إن سألت عن صفاتهم فقد تكفل الله تعالى بالجواب عن هذا السؤال في كتابه العزيز:

قال تعالى: }ألم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ * [من هم؟] ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{[البقرة: 1- 5].

وقال جل وعلا: }وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * [من هم؟ ما صفاتهم؟] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ{[آل عمران: 136],

المتقي سريع التذكر سريع الرجوع بعد الذنب والهفوة }إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـائِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ{[الأعراف: 201],

ومن صفاتهم ما أخبرنا الله تعالى به: }إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلاْسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ{[الذاريات: 19], وقوله: }ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ{ المعنى: أن أهل الجنة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم، من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك، راضين به، قد قرت به أعينهم، وفرحت به نفوسهم، وهذا كقوله تعالى }فاكهين بما آتاهم ربهم{.

ومن صفاتهم: أنهم يعظمونَ شعائرَ اللهِ }ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ{[الحج: 32], فمن يعظم معالم الدين وشرائعه الظاهرة بالإيمان والتعظيم والقيام؛ فهذا التعظيم مِن أفعال أصحاب القلوب المتصفة بتقوى الله وخشيته.

ومن صفاتهم: أنهم يتحرونَ العدلَ ويحكمونَ بهِ في أقوالهم وأعمَاِلهم: }يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {[المائدة: 8], فالمتقي يعدل بين الأعداء والأصدقاء على درجة سواء.

ومن صفاتهم: أنهم يقومون بحقوق الله وحقوق العباد، }إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ{, والإحسان يشمل الإحسان بعبادة الخالق، والقيام بحق المخلوق؛ من الوالدين والزوجة والولد والقريب والجار والصديق وغيرهم. قال ابن رجب رحمه الله : (والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً لا يقوى عليه إلا الكمّل من الأنبياء والأتقياء)([1]) .

وصفهم علي [رضي الله عنه] فقال : (هم أهل الفضل؛ منطقهم صواب، وملبسهم في اقتصاد، ومشيهم في تواضع، غضوا أبصارهم عن الحرام، ووقفوا أسماعهم على ما يستفاد. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء, عظُم الخالقُ في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم. قلوبهم محزونة، شرورهم مأمونة، مطالبهم في هذه الدنيا خفيفة، وأنفسهم عما فيها عفيفة, صبروا أياماً قصيرة فأعقبهم راحة طويلة، يصفُّون في الليل أقدامهم، يرتلون قرآنهم، جاثون على الركب، يطلبون النجاة من العطب، لا يرضون من الأعمال الصالحة بالقليل، من ربهم وجلون، ومن أعمالهم مشفقون, يتجملون في الفاقة، ويصبرون في الشدة، ويشكرون على النعمة، قريبٌ أملهم، قليلٌ زللهم. الخير منهم مأمول، والشر منهم مأمون).

أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك رحمه الله قال: قال داود لابنه سليمان عليه السلام : (يا بني إنما تَستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء : لحسن توكله على الله فيما نابه ، ولحسن رضاه فيما أتاه ، ولحسن زهده فيما فاته)([2]) .

وعن ميمون بن مهران رحمه الله, قال: (لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى تعلم من أين مطعمُه، ومن أين ملبسه، ومن أين مشربه، أمن حلٍّ ذلك أو من حرام؟)([3]) .

عبد الله .. اعرض نفسك على هذه الصفات، ما حظك وما نصيبك منها؟ فإن وجدت خيرا فاحمد الله .. وكأني بك أيها المستمع تقول: رغَّبتَ في التقوى، وشوَّقت إليها وذكرت منزلتها وثمارها فكيف السبيل إليها؟ إن أردت ما يعينك على التقوى والانضمام مع المتقين فخذ مني أربع نصائح موجزة:

عظم الله في قلبك. فمن عرف ربه اتقاه وخافه في سره وعلانيته }وما قدروا الله حق قدره{[الزمر: 67], الله الذي يضع السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الله. }ما لكم لا ترجون لله وقارا{[نوح: 13], الله الذي يعلم السرائر ويطلع على الضمائر }سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ{[الرعد: 10], يستوي في علمه تعالى مَن أخفى القول، ومَن جهر به، ويستوي عنده مَن استتر بأعماله في ظلمة الليل، ومن جهر بها في وضح النهار.

 

يا من يرى ما في الضمير ويسمع ***  أنت المعــــــــــــد لكـــــل ما يُتــــــــوقع

يا من يُرجَّى للشـــــــدائد كلِّــــــــــــــــها  *** يا مـــــن إليـــــــــه المشتكى والمفــــزعُ

مالي سوى قرعي لبـــــابك حيـــــلةٌ  ***  فــــــــإذا رددتَ فــــــــــأي باب أقــرعُ

           

راع الأعضاء الستة، وهي الجوارح الأصول: العينُ والأذنُ، واللسانُ والقلبُ، والبطنُ والفرج. فاحرص عَليهَا بصيانَتِها من كُلِ معصيةٍ ، وقيدهَا بطاعةِ اللهِ تعالى.

التقوى أن تمسك اليد عن أن تنال حراما، وتمسك الرجل عن أن تمشي إلى ما يغضب الله، وتمسك اللسان عن كل قول يحاسب الله عليه، وتمسك العين من أن تنظر إلى حرام، (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)([4]) ، وهكذا في القلب أن تلوثه بالحسد والبغضاء ونحوهما، والبطن أن تلطخه بالحرام من مأكل أو مشرب.

عن أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)([5])، وقوله: (تُكَفِّرُ اللِّسَانَ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ: (تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ لَهُ)([6]) .

تضرع إلى الله بالدعاء أن يرزقك التقوى ويسلكك في عباده المتقين، فما استجلبت الخيرات والبركات بمثل الدعاء.

عن عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)([7])، فسؤال التقوى دعاء نبوي مأثور فالهجوا به واغتنموا أوقات الإجابة.

تذكر الموت وما بعده، فمن تذكر لحظة الرحيل وهول المطلع وشدة الموت؛ هانت عليه الدنيا وباعها رخيصة في سبيل الله، واستعد بالعدة في سفره وهي ملازمة التقوى في السر والعلن.}وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{[البقرة: 281].

عن أبي ذر [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (إني أرى ما لا ترون و أسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله تعالى ساجدا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)([8]) .

عباد الله .. التقوى مفتاح كل خير، وسبب كل بر، نجى الله يوسف عليه السلام من جوف البئر المظلم، وسلم الله يونس عليه السلام من الحوت الذي ابتلعه، بسبب التقوى.

كان شباب في غابر الدهر آمنوا بالله ووحدوه في مجتمع كافر يحكمه ملك متجبر، لا يترك الموحدين، لكنهم آمنوا بالله واتقوه فزادهم هدى ونجاهم إلى الكهف وألقى عليهم النومة الطويلة.

وأخبرنا النبي [رضي الله عنه] في الحديث الصحيح عن رجل من بني إسرائيل اسمه جريج، وكان عابدا تقيا، فأراد قوم فتنته فبعثوا له امراة بغيا، فأتته في صومعته وهو يتعبد الله، فراودته عن نفسه فأبى، فنزلت إلى راع حول الصومعة فمكنته من نفسها فحملت، فلما وضعت؛ قالوا: ممن هذا؟ قالت: من جريج، فأتاه أهل القرية وهدموا صومعته وأخذوا يجرونه حتى توسطوا به  البلد، فقال: دعوني أصلي، فصلى ثم دعا بالغلام الوليد، وقال: يا غلام من أبوك؟ فأنطق الله الغلام وهو في مهده وقال: أبي فلان الراعي. }وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا{[الطلاق: 2],

ونجى الله الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة ووقعوا في كرب عظيم بسبب تقواهم لربهم.

مر عمرُ [رضي الله عنه] في طريقهِ إلى مكةَ براعٍ يرعى الغنم فقالَ له: يا أيها الراعي بعني شاةً من هذا الغنمِ فقال: إني مملوكٌ والمال لسيدي، فأرادَ عمرُ أن يختبرَهُ، فقال له: قل لسيدكَ أكلَهَا الذئبُ، فقال الراعي: فإذا قلتُ ذلكَ فأينَ الله؟!، فذهبَ عمرُ
[رضي الله عنه] لسيدِ الراعي، فاشتراهُ منه ثم اعتقَهُ فقال له: أعتقتكَ في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقَكَ في الآخرة.

وحدث الحسن البصري عن أنس بن مالك [رضي الله عنه] قال: (كان رجل من أصحاب النبي
[صلى الله عليه وسلم] من الأنصار يكني أبا معلق وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقيه لصٌ مقنعٌ في السلاح فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك، قال: ما تريد من دمي؟ شأنك والمال، قال: أما المال فلي ولست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت فذرني أصلى أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك. فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود ياذا العرش المجيد يا فعالا لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وبملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيت أغثني، يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني، ثلاث مرات. فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربةٌ قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله. ثم أقبل إليه فقال: قم فقلت: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم، فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: هذا دعاء مكروب فسألت الله أن يوليني قتله. قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب)([9]) .

بارك الله لي ولكم ..

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

أيها المسلمون أختم حديثي عن هذا الموضوع الجليل بالتنبيه على أمرين مهمين يخطئ فيهما كثير من المسلمين، ولا بد – من هذا المنبر – من تصحيح المفاهيم الخاطئة:

الأول: يعتقد البعض أن المتقي هو الذي لا يعصي الله ولا تبدر منه هفوة، وهذا ليس بصحيح فإن العبد الصالح التقي ليس ملكا ولا رسولا، بل ربما صدرت منه الزلة والهفوة، لكنه سرعان ما يبادر بالرجوع والندم والتوبة، وتأملوا معي قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ{[الأعراف: 201]([10]) , والطائف هو العارض من وسوسة الشيطان.

عن أبي هريرة [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)([11]) .

ز. أورد ابن رجب عند قوله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ{[آل عمران]، ثم قال: “دلَّ على أنَّ المتقين قد يَقَعُ منهم أحياناً كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنَّهم لا يُصرُّون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، ويستغفرونه ويتوبون إليه منها”([12]) .

الثاني: أن بعض المسلمين يقصر في الطاعات، ويقع في أنواع من المعاصي، ثم إذا قلت له: اتق الله، تغير وجهه، وقال لك بلسان الواثق: التقوى هاهنا! وأشار إلى صدره ثلاث مرات.

سبحان الله؛ ما أخطر انقلاب المفاهيم، وسوء فهم النصوص، وهذه كلمة حق أريد بها باطل، نعم التقوى ها هنا كما قالها النبي
[صلى الله عليه وسلم]، ولكن المراد أن أصل التقوى في القلب ثم يظهر أثر ذلك على الجوارح، كما قال
[صلى الله عليه وسلم] : (أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ)([13])، فهل يصح عند أولي العقول والأبصار، فضلاً عن المتقين الأخيار أن يتقلب العبد بين ترك الواجبات وانتهاك المحرمات، في الليل والنهار ثم يكون من المتقين! إن الظاهر مرآة للباطن، فإذا صلح الباطن ظهر الصلاح على الظاهر.

عباد الله .. اجعلوا التقوى زادا لكم في سفركم إلى الله، فإنها نعم الزاد إلى دار المعاد.

إذا أصبحت فاتق الله، وإذا أمسيت فاتق الله، إلى من فرط في الصلاة وتكاسل عنها: اتق الله، إلى من تهاون في صلاة الفجر مع جماعة المسلمين: اتق الله، إلى من تجرأ على أكل الحرام بأي وسيلة: اتق الله، إلى من تساهل في تربية أولاده والنصح لهم: اتق الله، إلى من أطلق بصره في النظر إلى الحرام: اتق الله، إلى كل موظف وعامل؛ المدير في إدارته، والطبيب في عيادته، والمهندس في مكتبه، والمعلم في مدرسته، ورجل الأمن في ميدانه، والعامل في مهنته: اتقوا الله في أعمالكم، وأدوها على الوجه الذي يراد منكم.

إن بالتقوى تصلح أمور الراعي والرعية، وبالتقوى يصلح الفرد والمجتمع، وبالتقوى تصلح الدنيا والآخرة.

اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

اللهم ..

 

([1]) جامع العلوم والحكم: (1/ 454).

([2]) الدر المنثور للسيوطي: (1/ 62) .

([3]) الحلية: (4/89).

([4]) جزء من حديث رواه مسلم: (2742), عن أبي سعيد
[رضي الله عنه].

([5]) رواه الترمذي: (2407), وأحمد: (11908), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (351).

([6]) تحفة الأحوذي: (7/ 74).

([7]) رواه مسلم: (2721).

([8]) رواه الترمذي: (2312), وأحمد: (21516). وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2449).

([9]) رواه ابن أبي الدنيا في” مجابي الدعوة “: (ص38 و 23). وقال الألباني في الضعيفة (5737): (موضوع، لوائح الوضع والصنع عليه ظاهرة).

([10]) [ذكر ابن كثير قصة عند هذه الآية: (3/ 534)]

([11]) رواه مسلم: (2749).

([12]) جامع العلوم والحكم: ( ص412).

([13]) رواه البخاري: (52), ومسلم: (1599).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.