التفسير النبوي الصريح (10)
admin 14 مايو 2016 0 190
(10) عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله صلى الله عليه
وسلم يقول: “إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض؛ قالت الملائكة: أي رب؛ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون، قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان، قالوا: ربنا؛ هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله، حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدا، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله، حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبدا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، قالت: لا والله، حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتما حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا”.

تخريج الحديث:

أخرجه أحمد 2: 134 (6178) قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر.. فذكره.

وأخرجه: عبد بن حميد في المسند (المنتخب) 2: 32 (785)، والبزار (كشف الأستار) 3: 358 (2938)، وابن حبان كما في الإحسان 14: 63 (6186)، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص309 (657)، والبيهقي في (السنن الكبرى) 10: 4، وفي (شعب الإيمان) 1: 180.

كلهم من طريق ابن أبي بكير به، بنحوه.

 

الحكم على الإسناد:

إسناده قابل للتحسين، لولا ما قيل في زهير بن محمد، وهو التميمي، فإنهم تكلموا فيه من جهتين:

1. الطعن في رواية أهل الشام عنه، دون أهل العراق.

قال ابن عدي: لعل الشاميين حيث رووا عنه؛ أخطأوا عليه، فإنه إذا حدث عنه أهل العراق؛ فرواياتهم عنه شبه المستقيم، وأرجو أنه لا بأس به.

وفي التقريب: رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها.

ولم ينص على مرتبته التي تلخص حاله، كما شرطه في خطبة الكتاب.

2. التفريق بين ما حدث من كتبه، وما حدث من حفظه.

قال أبو حاتم: محله الصدق، وفى حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، فما حدث من كتبه؛ فهو صالح، وما حدث من حفظه؛ ففيه أغاليط.

ينظر في ترجمته: الضعفاء الكبير للعقيلي 2: 92، الجرح والتعديل 3: 589، الثقات 6: 337، الكامل في الضعفاء 3: 217، الاستذكار 1: 491، تهذيب الكمال 9: 414، الميزان 2: 84، الكاشف 1: 408، تهذيب التهذيب 3: 301، تقريب التهذيب ص 217، هدي الساري ص423، نيل الأوطار 2: 341.

فأما الجهة الأولى فلا مدخل لها هنا؛ لأن الراوي عنه عراقي –كما سبق -، وأما الثانية فلم يتبين لي صفة روايته لهذا الحديث، من حفظه أو من كتابه؟

لكن الظاهر أنه مما حدث به من حفظه، بدليل مخالفته لغيره وخطئه، فهذا الوجه معلول – كما سيأتي بيانه، إن شاء الله-.

قال البزار – كما في كشف الأستار 3: 358 -: “رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وإنما أتي رفع هذا عندي من زهير، لأنه لم يكن بالحافظ، على أنه قد روى عنه ابن مهدي، وابن وهب، وأبو عامر، وغيرهم”.

والحديث أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) 5: 68 وقال: “رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا موسى بن جبير، وهو ثقة”.

وقال ابن حجر في (فتح الباري) 10: 235 في الطب: باب السحر: ” وقصة هاروت وماروت؛ جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر، في مسند أحمد “.

وساقه في (العجاب في بيان الأسباب) من مسند أحمد بسنده ومتنه، ثم قال – 1: 320 -: ” السند على شرط الحسن”.

 

المتابعات والشواهد:

أ. المتابعات:

تابع زهيرَ بن محمد على هذا الحديث: سعيدُ بن سلمة، أخرجه ابنُ مردويه – كما في تفسير ابن كثير 1: 354 – قال: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي ÷ يقول.. فذكره بطوله.

كذا وقع في ابن كثير: (موسى بن سرجس)، والظاهر أنه محرف عن موسى بن جبير، لأن الحديث مشهور به، وقد ذكروا في ترجمة (سعيد بن سلمة) أنه يروي عن موسى بن جبير، ولم يذكروا له رواية عن موسى بن سرجس [ينظر: تهذيب الكمال 10: 477] ، والله أعلم.

وسعيد بن سلمة؛ ضعفه النسائي – في سننه 8: 258-، وفي التقريب ص236: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه.

قلت: وهذا مما أخطأ فيه، كما سيتبين مما يأتي.

● وتابع موسى بن جبير: معاويةُ بن صالح.

أخرجه: الطبري في تفسيره 2: 347، والخطيب في (تاريخ بغداد) 8: 42، ومن طريقه: ابن الجوزي في (الموضوعات) 1: 186، والذهبي في (الميزان) 2: 236.

كلهم من طريق الحسين – وهو سنيد بن داود صاحب التفسير – أخبرنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع به مطولا، ولفظ الطبري مختصر.

قال ابن الجوزي: “هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان [في (المجروحين) 2: 206] : يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأحاديث الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به”.

وقال فيه البخاري – في (التاريخ الكبير) 7 :134-: منكر الحديث.

وهاتان المتابعتان السابقتان أوردهما ابنُ كثير في تفسيره 1: 354 وقال: “وهذان غريبان جدا، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي
صلى الله عليه وسلم “.

● وتابع نافعا على هذا الوجه: سالمُ بن عبد الله.

أخرجه: البيهقي في (شعب الإيمان) 1: 180 من طريق محمد بن يونس بن موسى، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ÷ .. فذكره بطوله.

ومحمد بن يونس هو الكديمي، قال فيه ابن حبان – في (المجروحين) 2: 312-: “كان يضع على الثقات الحديث وضعا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث”.

وقال الدارقطني – كما في سؤالات حمزة السهمي ص 111-: كان الكديمي يتهم بوضع الحديث.

وهذا الوجه أشار إليه أبو نعيم في (الحلية) 8: 248 وقال: ” غريب من حديث سالم، عن ابن عمر، مرفوعا “.

 

النظر في الاختلاف الواقع في الحديث:

هذا الحديث يرويه ابن عمر رضي الله عنهما، واختلف عليه على أوجه:

1. عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا. وسبق الكلام عليه.

2. عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفا عليه.

ورواه عنه على هذا الوجه راويان:

أ. مجاهد بن جبر.

أخرجه (سعيد بن منصور) في سننه 2: 583 (206) من طريق العوام بن حوشب، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1: 190 (1007) من طريق المنهال بن عمرو ويونس بن خباب، ثلاثتهم (العوام بن حوشب، والمنهال بن عمرو، ويونس بن خباب) عن مجاهد به.

ولفظ ابن أبي حاتم مطول، ولفظ سعيد مختصر.

وهذا الوجه ساقه ابن كثير في تفسيره 1: 357 ثم قال: “وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر”، ثم أحال على ما سبق من روايته مرفوعا، وقال: ” وهذا – يعني طريق مجاهد – أثبت وأصح إسناداً، ثم هو – والله أعلم – من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه”.

وصحح إسنادَ ابن أبي حاتم؛ ابنُ حجر في (العجاب) 1: 323.

ب. سعيد بن جبير.

أخرجه الحاكم في (المستدرك) 4: 607 من طريق سعيد به.وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

وأورده في (الدر المنثور) 1: 511 وعزاه إلى الحاكم فقط.

3. عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن كعب الأحبار.

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1: 53، وابن أبي شيبة في (المصنف) 7: 62 (34214)، والطبري في تفسيره 2: 343-344، وابن أبي حاتم في تفسيره 1: 190 (1006)، وأبو نعيم في (الحلية) 8: 248، والبيهقي في شعب الإيمان 1: 181.

كلهم من طريق سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب. فذكره بنحوه مختصرا.

 

ب. الشواهد:

عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت “.

أخرجه إسحاق بن راهويه – كما في (المطالب العالية) 4: 86 (3538)، و(الدر المنثور) 1: 513 -، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص 308 (654)، وابن مردويه – كما في تفسير ابن كثير 1: 355، و(الدر المنثور) 1: 513 -، كلهم من طريق جابر الجعفي، عن أبي الطفيل، عن علي
رضي الله عنه به بنحوه، وعند إسحاق زيادة في أوله.

وعزاه العجلوني في (كشف الخفاء) 2: 439 إلى أبي نعيم في (عمل اليوم والليلة).

وهذا سند ضعيف جدا، الجعفي: ضعيف، واتهم بالكذب.

ينظر:تهذيب الكمال 4: 465.

وله طريق أخرى ذكرها ابن كثير، فقال – في تفسيره 1: 355-: “ورواه الحافظ أبو بكر ابن مردويه في تفسيره، بسنده عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه، ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت. وهذا أيضا لا يصح، وهو منكر جدا، والله أعلم”.

 

فائدة:

جاء هذا المعنى عن علي رضي الله عنه مطولا، موقوفا عليه.

ينظر: الدر المنثور1: 512، وصححه الحاكم في (المستدرك) 2: 265 على شرط الشيخين.

قال ابن كثير في تفسيره 1: 355 – عن هذا الموقوف -: “إسناد جيد، ورجاله ثقات، وهو غريب جداً “.

وقال عنه الحافظ ابن حجر في (العجاب) 1: 322: “هذا سند صحيح، وحكمه أن يكون مرفوعاً؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، وما كان علي
رضي الله عنه يأخذ عن أهل الكتاب”.

وأشار ابن حجر في (العجاب) 1: 317 إلى قصة هاروت وماروت وقال: “ورد في ذلك خبر مرفوع، رجاله موثقون، وله شواهد كثيرة”.

ولعله يقصد بمجموع الموقوف والمقطوع.

 

تنبيه:

أشار الكتاني في (نظم المتناثر) ص233 إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما المرفوع، وما قيل فيه، ثم قال: ” ووردت – أي قصة هاروت وماروت – مرفوعة أيضا باختصار، من حديث علي
رضي الله عنه، أخرجه ابن راهويه في مسنده، ومن حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، أخرجه ابن أبي الدنيا في (ذم الدنيا)”.

قلت: وما ذكره فيه أمران:

1. حديث أبي الدرداء المشار إليه أخرجه ابن أبي الدنيا في (ذم الدنيا) ص75 رقم (132)، ومن طريقه: البيهقي في (شعب الإيمان) 7: 339، من طريق عتبة بن أبي حكيم، أخبرنا أبو الدرداء الرهاوي، قال: قال رسول الله ÷ : “احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت”، وهذا ليس فيه تعرض للقصة فلا يصح عده شاهدا للحديث.

2. أن ظاهر كلامه يوهم أن راوي الحديث: أبو الدرداء عويمر الأنصاري رضي الله عنه الصحابي المشهور، والواقع أنه ليس كذلك، بل هو أبو الدرداء الرهاوي، وقد ذكره ابن عبد البر في (الاستغناء) 2: 1173 وقال: “أبو الدرداء الرهاوي، عن رجل من أصحاب النبي ÷، ليس بالمعروف “، وذكره الذهبي في (المقتنى في سرد الكنى) 1: 226 وقال: “أبو الدرداء الرهاوي، عن صحابي، وعنه: عتبة بن أبي حكيم “.

فتبين أن الحديث ضعيف لانقطاعه، وجهالة أبي الدرداء، وكذا عتبة بن أبي حكيم متكلم فيه. ينظر ترجمته في (تهذيب الكمال) 19: 300.

 

الحكم على الحديث:

هذا الحديث لا يصح مرفوعا، والأظهر أنه مما أخذه ابنُ عمر عن كعب الأحبار.

وسأل ابنُ أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال – كما في العلل 2: 69 (1699)-:

“هذا حديث منكر”.

وقال الإمام أحمد – كما في (المنتخب من العلل للخلال) لابن قدامة ص296 -: “هذا منكر، إنما يروى عن كعب”.

وقال البيهقي في (شعب الإيمان) 1: 181 عقب إخراج الحديث مرفوعا: “ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفا عليه، وهو أصح، فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب”.

ثم أخرجه من طريق ابن عمر عن كعب، وقال: ” وهذا أشبه أن يكون محفوظا “.

ثم أعاده 5: 292 وقال: “هذا هو الصحيح من قول كعب”.

وقال ابن الجوزي في (الموضوعات) 1: 186 – كما سبق -: “هذا حديث لا يصح”.

وقال ابن كثير في تفسيره 1: 353 – بعد أن ساق الحديث من المسند مرفوعا -: “هذا حديث غريب من هذه الوجه..” ثم ذكر له المتابعتين الأوليين اللتين ذكرتهما في المتابعات، وقال: “وهذان أيضاً غريبان جداً، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي
صلى الله عليه وسلم “.

وذكر رواية سالم عن أبيه عن كعب، وقال – 1: 354 -: “فهذا – يعني طريق سالم – أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم “.

وقال 1: 360: “وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛ كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة، من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال “.

وأشار إلى القصة في (البداية والنهاية) 1: 83 وقال: “وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا، رواه أحمد عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي
صلى الله عليه وسلم، – وذكر القصة بطولها..- وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن كعب الأحبار به، وهذا أصح وأثبت”.

وقابل هؤلاء: ابن حبان، فصححه مرفوعا، حيث أخرجه في صحيحه.

وتجلد الحافظ ابن حجر في الدفاع عن هذه القصة، والانتصار لتقويتها، فقال في (القول المسدد) ص39 – بعد أن ذكر حديث ابن عمر وما قيل فيه -: ” وله طرق كثيرة، جمعتها في جزء مفرد، يكاد الواقف عليه أن يقطع وقوع هذه القصة، لكثرة الطرق الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها، والله أعلم “، وانظر: (فيض القدير) 1: 181

وقال – في (فتح الباري) 10: 235 -: ” وقصة هاروت وماروت، جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد. وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها،كعياض ومن تبعه “.

وأشار في (العجاب) 1: 326 إلى ترجيح بعض الأئمة لرواية سالم عن أبيه عن كعب، على رواية نافع بالرفع، وقال: ” لو لم يرد في ذلك غير هاتين الروايتين؛ لسلمت أن رواية سالم أولى من رواية نافع، لكن جاء ذلك من عدة طرق عن ابن عمر، ثم من عدة طرق عن الصحابة، ومجوع ذلك يقضي بأن للقضية أصلا أصيلا، والله أعلم “.

وذكر وجها للجمع بينهما، فقال 1: 326: ” رواية كعب مختصرة جدا، فيحتمل أن يكون ابن عمر استظهر برواية كعب؛ لكونها توافق ما حمله ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم “.

وقال في (العجاب) 1: 331: ” طعن في هذه القصة من أصلها بعض أهل العلم ممن تقدم، وكثير من المتأخرين، وليس العجب من المتكلم والفقيه، إنما العجب ممن ينتسب إلى الحديث، كيف يطلق على خبر ورد بهذه الأسانيد القوية، مع كثرة طرقها، أو تباين أسانيدها، أنه باطل، أو نحو ذلك من العبارة، مع دعواهم تقوية أحاديث غريبة، أو واردة من أوجه لكنها واهية، واحتجاجهم بها، والعمل بمقتضاها “.

قلت: وجرى كثير من المفسرين، وغيرهم من أهل العلم، على إنكار هذه القصة المذكورة [انظر التعليق على كتاب (العجاب) 1: 332 فقد تتبع المحقق أسماء من أنكرها أو تجاهلها، مع توثيق ذلك عنهم.] ، وما ذكره ابن حجر جار على قواعد المتأخرين في هذا الفن، وما ذكره الأئمة المتقدمون أولى، لأنهم أعلم بهذا الشأن، ورواة الوجه المرفوع ليسوا في منزلة من يقبل تفردهم، فضلا عن مخالفة من هو أقوى منهم، وأولى بالتقديم.

لكن يبقى أثر علي رضي الله عنه الموقوف لفظا، المرفوع حكما، ونصه: “كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما؛ إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به يعرج به إلى السماء، فعلماها، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا”.

وعند التأمل ومقارنته بحديث ابن عمر، نجد أنه لم يحصل من الملكين فعل من تلك الكبائر، غاية ما هنالك؛ أنهما راوداها عن نفسها، فأبت إلا بشرطها، أما في حديث ابن عمر فقد وقع منهما موبقات عظيمة، من شرب المسكر، والزنا بالمرأة، وقتل الصبي، بل في ظاهر الحديث ما هو أشنع من ذلك، وهو الشرك بالله، فقد جاء فيه: “..فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي؛ إلا قد فعلتما حين سكرتما..” وفي أول الحديث: “فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله؛ حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك..”.

والحاصل أن القدر المذكور في حديث ابن عمر؛ باطل مرفوعا، وغايته أن يكون مما أخذه عن كعب، والله أعلم.

وأحسن ابنُ حجر حين قال – في (العجاب) 1: 343 -: “في طرق هذه القصة القوي والضعيف، ولا سبيل إلى رد الجميع، فإنه ينادي على من أطلقه بقلة الإطلاع، والإقدام على رد ما لا يعلمه، لكن الأولى أن ينظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص، فيؤخذ بما اجتمعت عليه، ويؤخذ من المختلف ما قوي، و يطرح ما ضعف أو ما اضطرب، فإن الاضطراب إذا بعد به الجمع بين المختلف، ولم يترجح شيء منه؛ التحق بالضعيف المردود”.

وهذه القصة جديرة بأن تحقق وتحرر، بأن تجمع مروياتها من المرفوع والموقوف والمقطوع، ثم ينظر في القدر الصحيح منه.

 

 فائدة:

على القول بأن هاروت وماروت كانا ملكين، وقد جرى منهما ما جرى، فلا يشكل على هذا ما تقرر من عصمة الملائكة، والجواب كما قال ابن كثير في تفسيره 1: 352: “الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة، أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ } [طه: 116]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت – على ما ذكر -،أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى”.

وانظر: (أحكام القرآن) لابن العربي 1: 47.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.