أحاديث البيوع المنهي عنها (1) – المقدمة (1)
admin 5 أبريل 2015 0 212

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة من حُرمه حُرم خيرا ًعظيمًا، ومن رُزقه نال فضلاً جزيلاً.

وإن من أهـم ما ينبغي أن يعتني به طالب هذا العلم -على تنوع فروعه وأنواعه-: هو الاجتهاد في فقه الحديث ومعرفة معناه وتنزيله على وجهته، ومن ثَمَّ تطبيقه على المسألة أو النازلة بكل نزاهة وتجرد لا يداخله في ذلك تعصب أو هوى أو تقليد أو غيرها، لا تأخذه في نصر سنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ملامة اللوام، ولا يترك ما صح عنه – صلى الله عليه وسلم – لقول أحد من الأنام، بل السنة أجلُّ في صدره من أن يقدم عليها رأياً فقهياً أو بحثاً جدلياً أو غيرهما.

ولاشك أنه من القصور والتقصير في طالب الحديث أن يظل عاكفاً على حفظ الأسانيد وجمع الطرق وتتبع الرجال فقط دون معرفة معاني هذه الأحاديث وفقهها.

وقد كان الجمع بين حفظ الحديث وروايته، ومعرفة فقهه ودرايته هو دأب أئمة الحديث المتقدمين كمالك والشافعي وأحمد وسفيان وغيرهم -رحمهم الله-، وأقوالهم وأحوالهم في ذلك مأثورة مشهورة.

وأخرج الخطيب بسنده إلى عبدالرحمن بن مهدي –رحمه الله- أنه قال “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت بجنب كل حديث تفسيره”[1]الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/152..

وأخرج ابن عبدالبر بسنده إلى سفيان الثوري –رحمه الله- أنه قال: “تفسير الحديث خير من سماعه”[2]جامع بيان العلم وفضله ص 538..

وقال الإمام الخطابي –رحمه الله-: “رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمار فهو قفر وخراب…

فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم جمع الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سيرها ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السنن ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون.

وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه ولا يعبأون بما بلغهم أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبناً فيه”[3] معالم السنن 1/3-4..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.