الإيمان (3) (مراتبه وزيادته ونقصانه)
admin 11 ديسمبر 2015 0 159

إن الحمد لله .. اتقوا الله .. أما بعد

عباد الله .. إن الإيمان ركنٌ ركين، وأصلٌ متين من أصول الدين، فالمؤمن يؤمن بالله ولم يره، ويؤمن بالملائكة ولم يرهم، ويؤمن بالرسل ولم يرهم، ويؤمن بما يكون في اليوم الآخر ولم يره.

هكذا يكون المؤمن، بخلاف الكافر والمرتاب الذي لا يؤمن حتى يرى بعينه، وقد حكى الله تعالى في كتابه عن بعض هؤلاء، ومنهم فرعون الذي قال لوزيره هامان كما قال الله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) [غافر:38 ], وأخبر تعالى عن بني إسرائيل، فقال: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة:55 ].

هكذا كانت مبادئهم لا يكون الإيمان حتى يروا بأعينهم، وهذه حجة داحضة بالعقل والنقل، فالناس يؤمنون بأشياء كثيرة لم يروها كالعقل، والروح، والجاذبية، وغيرها.

والتفقه في باب الإيمان من شريف العلم ونفيسه ومهمه، وسبق الحديث عن منزلة الإيمان من الدين، وبيان معناه، وثمراته، ونصل الحديث بــــ:

المسألة الخامسة: مراتب الإيمان [نواقض الإيمان للوهيبي: (ص94).]

مما ينبغي أن يعلم في باب الإيمان أن الناس متفاوتون فيه، وهم على مراتب:

المرتبة الأولى: أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، وهو الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به إسلام العبد، وتثبت به أحكامه، وهو شرط النجاة من الخلود في النار.

ويدخل في هذه المرتبة أصحاب الكبائر، فهم مؤمنون معهم أصل الإيمان الذي يعدون به من المسلمين. [قال ابن تيمية – رحمه الله – في مجموع الفتاوى 7/ 271: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال ..).] .

المرتبة الثانية: الإيمان الواجب، وهو الإيمان الذي يحمل صاحبه على فعل الواجبات وترك الكبائر من الذنوب. [مسألة: هل يقدح في هذا ارتكاب الصغائر؟ قال ابن تيمية في المجموع 7/ 353: “والرسول لم ينفه – أي الإيمان – إلا عن صاحب كبيرة وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر فما أتى بالإيمان الواجب ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك”. ]

المرتبة الثالثة: الإيمان المستحب، وهو من حقق الواجبات وترك المحرمات، وزاد على ذلك المسابقة إلى أنواع الخيرات من المستحبات والمندوبات.

وقد أشار الله تعالى إلى هذه المراتب في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32].

(فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم؛ والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه) [مجموع الفتاوى 7/ 358] .

 

المسألة السادسة: أركان الإيمان

لا يقوم بنيان الإيمان إلا على أركان تحمله، فإذا تخلف ركن منها سقط البناء، وهذه الأركان والأصول ستة هي: الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره. وقد جاء ذكر هذه الأصول في القرآن الكريم والسنة النبوية في مواطن عديدة . منها :

1 – قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:136].

2- وثبت في صحيح مسلم في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الطويل أن جبريل سأل النبي صلى لله عليه وسلم فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) [رواه مسلم: (8). ] .

 

المسألة السابعة زيادة الإيمان ونقصانه

وهذه من مهمات المسائل في باب الإيمان، والمذهب الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، لأدلة كثيرة منها:

1. قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[آل عمران:173].

2. وقوله عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال:2].

3. وقوله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة:124].

4. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) [رواه مسلم: (35).] ، ففي هذا الحديث, أن الإيمان فيه أعلى وأدنى، وإذا كان كذلك كان قابلا للزيادة والنقصان بحسب وجود هذه الشعب واتصاف العبد بها. [وقد بوب عليه الترمذي في جامعه (4/ 306): باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه, وبوب عليه ابن حبان (الإحسان 1/ 407) فقال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.]

5. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) [رواه أبو داود: (4682), وأحمد: (7402), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1230). ] .

فدل الحديث على أن من المؤمنين من هو أكمل في الإيمان ومنهم من هو أنقص، وأن حسن الخلق من الإيمان يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.

6. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) [رواه مسلم: (2664).] ، فأفاد الحديث أن من المؤمنين من هو قوي في إيمانه، ومنهم من هو ضعيف في إيمانه.

والأدلة في هذا كثيرة تقرر أن الإيمان يزيد وينقص، وهو محل إجماع بين السلف، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

بارك الله ..

 

الخطبة الثانية:

ولما تحقق لدى سلف الأمة وصدرِها وخيارِها عظمُ شأن الإيمان ومنزلته، وشدةُ الحاجة إليه، وأنها أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، كانت عنايتُهم به عظيمةً ومقدَّمةً على كل أمر، فكانوا يتعاهدون إيمانهم، ويتفقدون أعمالهم، ويتواصون بينهم؛ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأصحابه: (هلموا نزددْ إيمانًا- فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ -) [رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: (1700). وفي لفظ: كَانَ عُمَرُ مِمَّا يَأْخُذُ بِيَدِ الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: «قُمْ بِنَا نَزْدَدْ إِيمَانًا» رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (30366).] . وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (اجلسوا بنا نزدد إيمانًا) [ رواه البيهقي في الشعب: (44).] . وكان يقول في دعائه: (اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا) [رواه الخلال في السنة: (1120), وابن بطة في الإبانة: (1132).] . وكان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ولنزدد إيمانًا بطاعته، لعله يذكرنا بمغفرته) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (30426).] . وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: (اجلسوا بنا نؤمن ساعة) [رواه البخاري تعليقا: (1/10), ووصله ابن أبي شيبة أيضاً رقم (105 و107)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في “الإيمان” أيضاً رقم (20 بتحقيق الألباني). قال الألباني في مختصر صحيح لبخاري (1/19): سنده صحيح عنه.] .

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (من فقه العبد أن يعلم أمُزداد هو أو منتقص – أي من الإيمان -، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه).

وكان عمير بن حبيب الخطمي رضي الله عنه يقول: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟! قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لا تَنْزِعْ مِنِّي الإِيْمَانَ كَمَا أَعْطَيْتَنِيهِ) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (29536).] .

وعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ : (امْشُوا بِنَا نَزَدَادَ إِيْمَانَاً) [رواه البيهقي, في شعب الإيمان: (56).] .

وسئل الأوزاعي رحمه الله, عن الإيمان: أيزيد؟ قال: (نعم، حتى يكون كالجبال، قيل: فينقص؟ قال: نعم، حتى لا يبقى منه شيء) [رواه اللالكائي, في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: (1740). وقال سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ: (الْإِيمَانُ قَوْلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَا تَقُلْ: يَزِيدُ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: اسْكُتْ يَا صَبِيُّ، بَلْ يَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ ), المرجع السابق: (1745).] .

وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن ذلك، فقال: (يزيد حتى يبلغ أعلى السماوات السبع، وينقص حتى يصير إلى أسفل السافلين السبع) [رواه ابن أبي يعلى, في طبقات الحنابلة: (1/259).] .

ومن ها هنا كان حريا بكل مؤمن أن يسعى في زيادة إيمانه، حذرا من نقصانه، ولكل منهما أسباب تؤدي إلى زيادة الإيمان، كما أن هناك أمورا تنقص إيمان من فعلها، لعله يأتي الحديث عنها لاحقا إن شاء الله.

اللهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.