إصلاح البيوت [3]
admin 27 يوليو 2018 0 1

إن الحمد لله .. اتقوا الله ..

عباد الله .. البيت نواةُ المجتمع، وحينما ننادي ونطمح بصلاح المجتمع، فإن علينا أن نسعى في صلاح هذه النواة، فصلاحُ هذه البيوتِ صلاحٌ للمجتمع بل للأمة كلِّها، وسبق الحديثُ عن أهمية طرقِ الموضوع، وشدة الحاجة الماسة إليه لما تعانيه كثيرٌ من البيوت من الثغرات والفجوات، والأخطاء التي تحتاج إلى إصلاح، وذكرنا جملةً من المعالم الواضحةِ في إصلاح البيوت، ونصلُ اليومَ الحديثَ عن معالم صلاحِ البيوت، فأقول:

المعلم الخامس: القيادةُ وحسن التصرف

إن البيت مملكةٌ تحتاج إلى قائدٍ حاذق، يحسن سياسة مملكته، ويقوم على سكانها خير قيام، ويتطلب ذلك حضورَه المستمر، فلا يُقبل من رب البيت أن يكون غائبا منصرفا عنه، لاهيا لاهثا وراء الدنيا وشهواتِها وجمعِ حطامِها. إن من أسباب انحراف كثيرٍ من البيوت غيابَ الولي فتجد الأب غائبا بين العمل والتجارة والسفر والأصدقاءِ والسهرات، والأمُ مشغولةٌ بعملها وزياراتها وأسواقها، فضيعت الأمانة، وأهملت المسؤولية

ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من  ***  همِّ الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له  ***  أمَّاً تخلت أو أباً مشغولاً

احرص أيها الأب أن يكون لك وقتٌ كاف تقضيه في بيتك بين أولادك، فهم في حاجة إليك، وهو سببٌ في تلاحم العائلة وتوثيقِ روابطها.

ومن حسن التصرف في قيادة البيت: أن يكون هناك تفاهمٌ قائمٌ بين الزوجين، وأن يتعاونا على التربية الفاضلة، فلا يجوز أن يتلقى الطفلُ أوامرَ متناقضةً لا يدري أيها ينفذ؟ فيعيش مشتتَ الذهن مشوشَ الفكر في حيرة واضطراب بسبب اختلاف الوالدين. والحذر الحذر من اتخاذ الأولاد وسيلةً لتصفية الحسابات بين الزوجين.

أيها الأب: لابد أن تكون مع زوجتك في البيت على أتم تنسيق وتفاهم وتعاون لمصلحة أبنائكما.

ومن حسن التصرف في قيادة البيت: التوسطُ في متابعة الأبناء بين المراقبة الصارمة التي تشعرهم بفقدان الثقة، وبين الإهمال والترك بحجة الثقة والحرية الشخصية.

ومما يحتاجه مدير البيت في إدارته للبيت: أن يحسن التصرفَ في أوقات الأزمات، كما لو حدثت مشكلةٌ أو انحرافٌ أو تمردٌ لأحد أفراد البيت. وكثيرٌ من الناس يغيب عنه القرارُ المناسب والتصرفُ الحكيم في مثل تلك الأحوال لتهوره وغضبه، أو قلةِ خبرته، أو لوقعِ المصيبة على نفسه مما يَشلُّ عقله عن التفكير السليم، ومن المناسب أن يتأنى المرءُ في مثل هذه الظروف، ويقلبَ النظرَ، ويقويَ قلبَه باللجوء إلى الله بذكره ودعائه والانطراحِ بين يديه، ويسترشدَ باستشارة أهلِ الرأيِ والعقلِ ممن يوثقُ في دينهم وكتمانِهم للأسرار. وينظر في قدر الخطأ، وحالِ من صدرَ منه، والظرفِ الذي صاحبَ الخطأ، ويكونُ بعد ذلك القرارُ المناسبُ للتعامل معه.

عن عائشة قالت: “كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضا عنه حتى يحدث لله التوبة”([1]).

ولما ابتلي [صلى الله عليه وسلم] في بيته في قصة الإفك، حين رميت عائشة رضي الله عنها في عرضها تأنى
[صلى الله عليه وسلم] وتثبت، ودعا عليَّ بن أبي طالب وأسامةَ بنَ زيد رضي الله عنهما وشاورهما، ثم سأل الجارية، وحاور عائشةَ وناقشها في الموضوع، في قصة طويلة يضيق المقام عنها، تعطي مثالا عمليا على حسن التصرف إذا وقعت أزمة أو مشكلة في البيت.

المعلم السادس: حماية البيت وتطهيره من الشرور

وهذا واجبٌ شرعي يتحمله ربُّ البيت، فهو ولي الأمر المسئولُ عن بيته، فيطهرُ البيتَ من التماثيل والصور المحرمة التي تمنع دخولَ الملائكة، ويطهره من آلات اللهو والفساد كأجهزة استقبال القنوات الهدامة التي تهدم الأخلاق وتنشر الرذيلة، وتسير بالبيت إلى ما يناقض الإصلاح، ويطهر البيت من الدخان والشيشة والمخدرات والمسكرات، ويطهر البيت من تربية الكلاب التي تنقصُ الأجرَ كلَّ يوم إلا ما ورد الشرع باستثنائه وهو كلب الصيد والحراسة والحرث.

عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: (من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم)([2]).

ودعونا ننظر أيها الإخوة إلى شيء من الهدي النبوي في هذا المعلم:

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا نقضه([3]). يعني ما فيه صورة الصليب. والنقض هو الإزالة سواء بالطمس أو الحك أو اقتلاعه وإزالته بالكلية

وعنها رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل – يعني أنها سترت أشبه ما يكون بالرف أو الخزانة بستر رقيقٍ فيه صور- فلما رآه هتكه – أي نزعه – وتلوَّنَ وجهُه وقال: (يا عائشة أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)([4]).

وعن أم سلمة أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان عندها وفي البيت مخنثٌ – وهو من يشبه النساء في حركاته وكلامه – فقال المخنث لأخي أم سلمة: إن فتح الله لكم الطائفَ غدا أدلك على بنت غيلان وذكر من أوصافها، فقال النبي
[صلى الله عليه وسلم]: (لا يدخلن هذا عليكن)([5])، لأنه
[صلى الله عليه وسلم] رأى فيه خطرا على أهل البيت.

وعن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جُحرٍ في حُجَر النبي [صلى الله عليه وسلم] ومع النبي
[صلى الله عليه وسلم] مدرى يحك به رأسه – وهي حديدة تشبه المشط – فقال
[صلى الله عليه وسلم]: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) ([6]).

وهكذا يعتني صاحب البيت بأسباب الوقاية من الشرور قبل حدوثها، ومن صور ذلك:

الحذرُ واليقظة في قضية الخدم والسائقين، فكم كان هؤلاء سببا في شرورٍ ومفاسدَ حدثت في البيت، والحديث عن هذا الموضوع وضوابطِه يتطلب خطبةً مفردة إن شاء الله.

التساهل في علاقة الأقارب غيرِ المحارم بالمرأة، وهذا له صورٌ كثيرة، كأن يكون الزوج يعيش مع أهله، فيقع التساهلُ بين أخيه وزوجته، أو يكون الزوج في بيت مستقل ويسكن أخوه عنده لظرفِ دراسة أو غيرها، أو يأتي بعضُ أقاربِ الزوج ضيوفا في بيته وهو غائب كعمه أو ابن عمه أو نحوهم، فيقع التساهل في هذا بحجة الثقة أو العادات، وقد حذر النبي
[صلى الله عليه وسلم] من هذا بخصوصه فيما رواه عقبة بن عامر أن رسول الله [صلى الله
عليه وسلم] قال: (إياكم والدخول على النساء) فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت)([7]).

والمراد بالحمو في الحديث: أقارب الزوج غيرُ آبائه أو أبنائه، كأخيه وابن أخيه، وعمه وابن عمه، وابن أخيه وابن أخته، ونحوهم.

التفريق بين الأولاد في المضاجع عند النوم، لحديث ابن عمرو عن النبي [صلى الله
عليه وسلم] قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)([8]).

ومعناه أن يُخصَّ كلٌ منهم بفراش: غطاءٍ ولحافٍ يختص به في النوم، لأن النومَ مظنةُ انكشاف العورات، وهذا يشمل الذكور مع الذكور، والإناث مع الإناث، والذكور مع الإناث وهو أشد، بل الأولى أن يُفصل الأخُ عن أخته إذا بلغا هذا السن، فيكون كلٌ منهما في غرفة خاصة إذا تيسر ذلك. وهذا من محاسن الشريعة في سد أبواب الفتن والشرور بين المحارم.

تطهير البيت من الأشرار، فإن بعض الناس تنطوي نفسُه على خبث وحقد وسوء طوية، يسعى بالفساد والإفساد، فمثل هذا يجب أن تطهر البيوت منه لأنه يسعى في خرابها، ولو كانت جارةً في الحي، أو كان صديقا في العمل، فكم فرق مثلُ هؤلاء بين زوجين، وكم أفسد من الأبناء والبنات. عن أبي هريرة قال رسول الله
[صلى الله عليه وسلم]: (ليس منا من خبَّبَ امرأة على زوجها، أو عبدا على سيده) ([9]).

التربية على الحياء والعفاف، واللباس المحتشم للفتيات في البيت وخارجه، وهذه نقطة كثر الإخلالُ بها، حيث يتساهلُ الأولياء بدعوى أنها صغيرة، فتُعوَّدُ من صغرها على لباس لا يربي على الحشمة والحياء.

– ومن الرعاية والوقاية للبيت: – حسن اختيار موقع البيت، بأن يختار الجيرانَ الطيبين، وأن يكون قريبا من المسجد معينا للأولاد على المواظبة على الجماعة فيه ولو غاب الأب عن البيت، ومعينا لهم على الانتظام في حلقة التحفيظ، وغير ذلك من الأمور التي تراعى في موقع البيت وتصميمه وتكونُ سببا في صلاحه ورشده.

بارك الله ..

الخطبة الثانية:

المعلم السابع: الأخذ بأسباب السلامة في البيت

فهذا مطلب في صلاح البيت وسلامةِ أهله، أن يقوم رب البيت على بيته بصيانته ونظافته وتوفيرِ أسباب السلامة فيه، وقد جاءت السنة بهذا الأصل، فعَن جَابِرٍ
[رضي الله عنه] أَنَّ رَسُولَ الله [صلى الله عليه وسلم] قَال: (أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ)([10]), وقوله
[صلى الله عليه وسلم] (وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ) أي اربطوها وشدوها، والأسقية ما يوضع فيه الشراب، كالقربة ونحوها. وقوله: (وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ)؛ التخمير هو التغطية، وذلك صيانةً لهذه الأطعمة والأشربة من الشيطان فإنه لا يكشف غطاء، وصيانة لها من الوباء، ومن الحشرات والهوام والمستقذرات.

وعن جابر [رضي الله عنه] عن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: (إذا استجنح الليل – أي أقبل بظلمته – فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعةٌ من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا) ([11]).

وعَنْ أَبِي مُوسَى [رضي الله عنه] قَال: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمْ النَّبِيُّ
[صلى الله عليه وسلم] فقَال: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)([12]).

ويلحق بذلك تفقد مواضع الخطر الأخرى في البيت مثل تسربات الغاز، وتفقد التوصيلات والأجهزة الكهربائية، والانتباه لخطر المسبح إن وجد في البيت، ونحو ذلك.

ومما يجلب السعادة في البيت: المبادرةُ بصيانة ما يحتاج إلى صيانة من الأجهزة والمرافق، والعنايةُ بنظافة البيت وإخراجِ النفايات في مكانها المعد لها، وتعاهدِ البيت بتطييبه وحسن رائحته، فكل هذا له أثرُه على البيت وقاطنيه، ويشتكي بعض الزوجات من إهمال أزواجهن في ذلك وكسلهم، ويترتب عليه خصام وجدال بين الزوجين، كما يترتب على إهمال ذلك في بعض الصور أضرار صحية وبيئية.  

اللهم ..

 

([1]) رواة العقيلي: (4675), وابن أبي الدنيا في” مكارم الأخلاق “: (ص 30), وصححه الألباني في صحيح الجامع (4675) بلفظ: (لم يزل معرضا عنه حتى يحدث توبة).

([2]) رواه مسلم: (1575).

 

([3]) رواه البخاري: (5952).

([4]) رواه البخاري: (5954), ومسلم: (2107).

([5]) رواه البخاري: (5235), ومسلم: (2180).

([6]) رواه البخاري: (6241), ومسلم: (2156).

([7]) رواه البخاري: (5232), ومسلم: (2172).

([8]) رواه أبو داود: (495), رواه أحمد: (6756), وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (5868).

([9]) رواه أبو داود: (2175), والحاكم: (2795), وصححه الألباني في صحيح الجامع: (5437).

([10]) رواه البخاري: (5624) واللفظ له, ومسلم: (2012).

([11]) رواه البخاري: (3280), ومسلم: (2012).

([12]) رواه البخاري: (6294), ومسلم: (2016).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.